وحد وأحد محركتين ووحد ووحيد ومتوحد منفرد» قال شارحة: «وأنكر الأزهري قولهم: رجل أحد لأن أحدًا من صفات الله ﷿ التي استخلصها لنفسه» وفي القاموس (أح د): «الأحد بمعنى الواحد، أي الأحد لا يوصف به إلا الله ﷾» . قال الشارح بعد قوله: الأحد: «أي المعرف باللام الذي لم يقصد به العدد المركب كالعدد عشرة ونحوه» . ثم قال الشارح أخيرًا: «وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وقيل: أحديته معناها انه لا يقبل
التجزي لنزاهته عن ذلك، وقيل: الأحد الذي لا ثاني له في ربوبيته، ولا ذاته، ولا في صفاته» .
أقول: فالظاهر أن «وَحِد وأحد» الذي قالوا: أنه لا يعرف نسبه وأصله، وإنما حقيقته أنه بمعنى: منفرد، ثم لوحظ فيه التقييد، أي «منفرد عمن يكن من نسبه وأصله» . لا يوجد من يكون نسيبًا له، ولكن لما كان هذا ممتنعًا في الرجل إذ لابد في غير آدم وعيسى من أن يكون له أب ويغلب له عم وابن عم وإن بعد وغير ذلك وإنما غايته أن لا يعرف نسبه وأصله عبروا بهذا، والمعنى الحقيقي ثابت لله ﵎، فإنه لا نسيب له ولانسب البتة، وبهذا يتضح موافقة سبب النزول وهو قول المشركين للنبي ﵌: أنسب لنا ربك، ولما كان هذا الوصف قد يطلق على غيره تعالى بمعنى أنه لا يعرف نسبه وقد يطلق على آدم بمعنى أنه لا أب له وإن كان مخلوقًا من الطين، وكذلك عيسى وإن كان له نسب من جهة أمه ونحو هذا يقال في الملائكة وأبي الجان، لما كان الأمر كذلك قيل: «قل هو الله أحد» ولم يقل «الأحد» وأكد ذلك أن المشركين لما قالوا: أنسب لنا ربك، اقتضى ذلك أنهم يزعمون أن الله ﷿ ليس أحدًا بذاك المعنى بخلاف «الواحد» في الربوبية فإنهم يعترفون به كما تقدم. وهذا المعنى هو المناسب لسبب النزول كما مر، ومناسبته للسياق واضحة أيضًا.
وقوله سبحانه: (الله الصمد) تقدم في حديث البخاري في رواية «شتمه إياي قوله: اتخذ الله ولدًا، وأن الصمد » وفي حديث أبي العالية «فالصمد الذي لم
[ ١٣٧ ]
يلد ولم يولد..» وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب «الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوًا أحد» يظهر أن المراد أن الصمد يستلزم أنه لم يلد ولم يولد، وتوجيه ذلك يعلم مما يأتي: أخرج ابن جرير من وجهين صحيحين عن مجاهد قال: «الصمد المصمت الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن الحسن البصري قال: «الصمد الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن سعيد ابن جبير سئل عن الصمد فقال: «الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن عكرمة قال «الصمد الذي لا جوف له» . ومن وجه آخر صحيح عن عكرمة أيضًا قال: «الصمد الذي لا يخرج منه شيء» زاد في رواية «لم يلد ولم يولد» . ومن وجه صحيح عن الشعبي قال: «الصمد الذي لا يطعم الطعام» . وفي رواية «الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب» . ومن وجه فيه ضعف عن عبد الله بن أبي بريدة عن أبيه قال عبد الله: «لا أعلمه إلا قد رفعه (يعني إلى النبي ﵌) قال: الصمد الذي لا جوف له» ومن وجه فيه ضعف عن ابن عباس قال: «الصمد الذي ليس بأجوف» . ومن وجه ضعيف عن ابن المسيب قال: «الصمد الذي لا حشوة له» .
هذه الأقوال كلها تعود إلى مثل قول مجاهد، واستلزم هذا المعنى لنفي الولد والوالد كما في حديث البخاري وحديث أبي العالية وقول محمد بن كعب ظاهر، وذلك أن من يكون كذلك لا يمكن أن يكون له ولد على الوجه المعروف في التناسل أو نحوه، لأن ذلك يتوقف على أن يخرج من جوف الأب شيء يتكون منه الأب، وهكذا من كان كذلك لا يكون له أب لأن الأب لابد أن يكون شبيه الابن في الذات، ففرض أب للمصمت الذي لا جوف له يستلزم نفي الأبوة - وهذا المعنى مع صحته عن أكابر من التابعين كما رأيت واضح المناسبة للسياق، ولحديثي البخاري وأبي العالية، ولتقديم «لم يلد» فإن دلالة هذا المعنى على أنه لم يلد أقرب من دلالته على أنه لم يولد كما لا يخفى. لكن أخرج ابن جرير من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: «الصمد السيد الذي قد انتهى
[ ١٣٨ ]