كتقوى الله وطاعته، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، والدعاء، والبِرّ.
كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤].
فجعل سبحانه عبادته وطاعته سببًا لزيادة العمر، والمعنى: "يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لكم بشرط الإيمان والطاعة، فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان" (^٢).
وقال القرطبي ﵀: "قال ابن عباس: أي ينسئ في أعماركم، ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا
_________________
(١) فتح القدير (٤/ ٤٥١)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠)، وقد شنَّع الشوكاني في قطر الولي (٥٠٦ - ٥٠٧) على من فسره بغير ذلك بعبارات شديدة لا يوافق عليها، ولكلتا هاتين الآيتين أقوال أخرى في تفسيرها؛ ستأتي مع مناقشتها.
(٢) فتح القدير (٥/ ٣٩٤).
[ ١ / ٢١٥ ]
عوجلوا بالعذاب" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والعمر يطول والرزق يبسط بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح، كما أن الهلاك والإغراق استحقه قوم نوح بالكفر والتكذيب" (^٢).
وحديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليَصِل رَحِمَه) (^٣).
وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار) (^٤).
قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زدته كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (^٥).
وقال أيضًا: "والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة؛ فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢١/ ٢٥١).
(٢) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (٢٤٩).
(٣) رواه البخاري: كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٨/ ٥) ح (٥٩٨٦)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/ ١٩٨٢) ح (٢٥٥٧)، ورواه البخاري في الباب السابق (٨/ ٥) ح (٥٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه أحمد (٤٢/ ١٥٣) ح (٢٥٢٥٩)، وصححه الألباني الصحيحة ح (٥١٩).
(٥) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧).
[ ١ / ٢١٦ ]
نقص من ذلك المكتوب" (^١).
وحديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) (^٢).
قال البيهقي ﵀ بعد أن ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى -: "والمعنى في هذا أن الله جل ثناؤه قد كتب ما يصيب عبدًا من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء، ورزقه كثيرًا وعمره طويلًا، وكتب في أم الكتاب ما هو كائن من الأمرين، فالمحو والإثبات يرجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عباس، والله أعلم" (^٣).
وغير ذلك من الأدلة، وسيأتي شيء منها في غضون الشرح بإذن الله.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).
(٢) رواه أحمد (٣٧/ ٦٨) ح (٢٢٣٨٦)، والترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٤/ ١٨) ح (٢١٣٩)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر (١/ ١١١) ح (٩٠)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٥٤).
(٣) القضاء والقدر (١/ ٤٨٥).
[ ١ / ٢١٧ ]