ومن كمال هذا الدين أنه جارٍ على أصولٍ مستقيمة وقواعدَ مطَّردة، لا تنخرم ولا يشذ عنها شيء، وهذا من رحمة الله سبحانه بالأمة؛ إذ الإحاطة بكل نصٍ وجزئيةٍ أمرٌ متعذرٌ أو ممتنعٌ، فإذا أمكن وجود أصول عامة تُرَدُّ إليها الجزئيات كان هذا نعمة عظيمة تجعل الأمة في مأمن من الضلال بإذن الله؛ وهذا من وجوه امتنانه سبحانه بإكمال الدين.
فالعناية بالأصول العامة والقواعد الكلية أمر لا تخفى أهميته، فإنه السبيل إلى ضبط العلم وإحكامه، إذ الجزئيات - كما تقدم - مردُّها إلى أصول، فإذا خفي حكم الجزئية رُدَّت إلى أصلها وأُعطيت حكمه.
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٤٤).
(٢) مع التنبيه على أني أمشي على طريقة المتقدمين في عدم التفريق بين القواعد والضوابط؛ إذ أنَّ أول من عُرف عنه التفريق بين القواعد والضوابط: تاج الدين ابن السبكي ت (٧٧١ هـ)، وتابعه على ذلك الزركشي ت (٧٩٤ هـ)، والسيوطي ت (٩١١ هـ)، وابن نجيم ت (٩٧٠ هـ)، والفتوحي ت (٩٧٢ هـ)، والكفوي ت (١٠٤٩ هـ)، والبناني ت (١١٩٨ هـ) وأغلب المعاصرين. انظر: "القواعد الفقهية" للدكتور يعقوب بن عبد الله الباحسين ص (٥٩ - ٦١).
[ ١ / ٧ ]
قال شيخ الإسلام ﵀: "ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب، لهم ولسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولَّد فساد عظيم" (^١).
وهذا الأمر يتأكد في باب العقائد أكثر من غيره من الأبواب لأمورٍ منها:
أولًا: أن هذا الباب أجلُّ قدرًا وأعلى منزلةً من غيره.
ثانيًا: أن الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره.
هذا عمومًا، ولباب القدر أهمية خاصة تكمن فيما يلي:
١) كونه ركنًا من أركان الإيمان.
٢) أنه محل عناية عظيمة في نصوص الكتاب والسنة.
٣) كونه من الأبواب التي اشتد فيها الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم.
٤) أن له أثرًا كبيرًا ومباشرا في سلوك المسلم في كافة أحواله.