اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، والصواب الذي عليه جمهور السلف، أن المراد بها: الإسلام (^٤).
_________________
(١) رواه ابن جرير (٩/ ١٧٥).
(٢) رواهما ابن جرير (٩/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٣٢٥)، ومقاييس اللغة (٤/ ٥١٠)، ولسان العرب (٦/ ٣٦١)، مادة: (فطر).
(٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢ - ٧٧)، ودرء التعارض (٨/ ٣٦٧ - ٣٧٧ و٤١٠)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨١ - ٧٨٥).
[ ١ / ٢٨٩ ]
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
فالفطرة هنا الإسلام بإجماع السلف.
قال ابن عبد البر ﵀: "وقال آخرون: الفطرة ههنا الإسلام، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل، قد أجمعوا في قول الله ﷿: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام" (^١).
ومما نقل عنهم في ذلك: أبو هريرة فقد كان يقول عقب رواية الحديث: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ " (^٢).
ومن ذلك أيضًا: تفسير الزهري ﵀ كما روى البخاري عنه (^٣) أنه قال: "يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لِغِيَّة (^٤)، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة - وإن كانت أمه على غير الإسلام - إذا استهل صارخًا يصلى عليه، ولا يصلى على من لا يستهل من
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٧٢).
(٢) انظر: صحيح البخاري (٢/ ٩٥)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٤٧)، وتقدم ص (٢٨٧).
(٣) كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (٢/ ٩٤) ح (١٣٥٨).
(٤) قال الحافظ ﵀ في الفتح (٣/ ٢٢١): "بكسر اللام والمعجمة وتشديد التحتانية، أي: من زنا، ومراده أنه يصلى على ولد الزنا، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه، وكذلك من كان أبوه مسلمًا دون أمه".
[ ١ / ٢٩٠ ]
أجل أنه سقط"، ثم استدل بحديث أبي هريرة ﵁ (^١).
ومن ذلك أيضًا: تفسير عطاء وعمرو بن دينار - رحمهما الله -، كما روى عبد الرزاق (^٢) عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ولد الزنا حين يولد بعد ما استهل أيصلى عليه؟ قال: "نعم"، قلت: كيف وهو كذلك؟ قال: "من أجل أنه ولد على الفطرة، فطرة الإسلام". قال ابن جريج: "وسألت عمرو بن دينار فقال مثل قول عطاء".
ومن ذلك أيضًا: تفسير ابن زيد ومجاهد وعكرمة، كما رواه عنهم الطبري (^٣).
ثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (^٤)، وفي لفظ: (حنفاء مسلمين) (^٥).
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٦).
(٢) (٣/ ٥٣٤) رقم (٦٦١٤).
(٣) انظر تفسير الطبري (١٨/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
(٤) رواه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧) ح (٢٨٦٥).
(٥) رواه الطبراني (١٧/ ٣٦٣) ح (١٤٦٨٣)، وابن أبي خيثمة في تاريخه (١/ ٤٠٤)، وابن عساكر (٣٤/ ٤٥١) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، =
[ ١ / ٢٩١ ]
ثالثًا: حديث الفطرة المتقدم، وفي بعض ألفاظه التصريح بأن المراد بالفطرة: ملة الإسلام، ومنها: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و(إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (^١).
وكذلك جاء التصريح بكونها فطرة الإسلام في حديث الأسود بن سَريع ﵁، وفيه قوله ﷺ: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (^٢).
رابعًا: أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عقيب ذلك عن أطفال المشركين، وهذا يدل على أنهم فهموا أن المراد بالفطرة الإسلام (^٣).
خامسًا: أن النبي ﷺ قال هذا الحديث عقيب إنكاره عليهم قتل أولاد المشركين كما في حديث الأسود بن سريع ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ: (ما حملكم على قتل الذرية؟) قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين! قال: (أَوَهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة
_________________
(١) = عن عبد الرحمن بن عائذ، الأزدي عن عياض بن حمار ﵁ به.
(٢) رواهما مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٧) ح (٢٦٥٨).
(٣) رواه بهذا اللفظ: الطبراني (١/ ٢٨٣) ح (٨٣١)، وابن حبان (١/ ٣٤١) ح (١٣٢)، من طريق الحسن عن الأسود ﵁ به.
(٤) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧١).
[ ١ / ٢٩٢ ]
حتى يعرب عنها لسانها) (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: (أَوَليس خياركم أولاد المشركين) يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك" (^٢).
سادسًا: أن النبي ﷺ شبه تهويد أبوين وتنصيرهما وتمجيسهما للمولود بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها (^٣)، يوضحه:
سابعًا: أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا، وإنما ذكر ما يمنع موجبها (^٤).
ثامنًا: أنه جاء في أحاديث أُخَر إطلاق الفطرة على الإسلام، كما في أحاديث سنن الفطرة، ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب) (^٥).
وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (عشر من
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤/ ٣٥٤) ح (١٥٥٨٨)، و(٢٤/ ٣٥٦) ح (١٥٥٨٩)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٤٠٢).
(٢) درء التعارض (٨/ ٣٦٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٢).
(٤) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٥٤).
(٥) رواه البخاري: كتاب اللباس، باب قص الشارب (٧/ ١٦٠) ح (٥٨٨٨)، ومسلم: كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (١/ ٢٢١) ح (٢٥٧).
[ ١ / ٢٩٣ ]
الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك. . .) (^١)، وغيرهما من الأحاديث.
والمراد بسنن الفطرة: سنن الإسلام، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن فطرة الإسلام: الغسل يوم الجمعة والاستنان وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حُدُّوا شواربكم وأعفوا لِحاكُم) (^٢).
وكما في حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين) (^٣).
وكما في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت؛ مت على الفطرة) (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (١/ ٢٢٣) ح (٢٦١).
(٢) رواه ابن حبان (٤/ ٢٣) ح (١٢٢١)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٣١٢٣).
(٣) رواه أحمد (٢٤/ ٧٧) ح (١٥٣٦٣)، والنسائي في الكبرى (٩/ ٥) ح (٩٧٤٣)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٢٩٨٩).
(٤) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب إذا بات طاهرًا (٨/ ٦٨) ح (٦٣١١)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨١) ح (٢٧١٠).
[ ١ / ٢٩٤ ]
وخالف الراجح ممن ذهب إلى هذا القول فريقان:
- فريق قال بنفي العموم في قوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة)، فعندهم أن من الأطفال من يولد على الفطرة، ومنهم من ليس كذلك. ومعنى الحديث: أن المولود على الفطرة من الأبوين الكافرين يكفرانه، أي يحكم له بذلك تبعًا لهما، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما وذلك حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه.
واستدلوا بدليلين:
الأول: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (^١).
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا) (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦١).
(٢) رواه أحمد (١٧/ ٢٢٧) ح (١١١٤٣)، والترمذي: أبواب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة (٤/ ٥٣) ح (٢١٩١)، وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف، انظر: الضعيفة ح (٢٩٢٧).
[ ١ / ٢٩٥ ]
قالوا: ففي هذا الحديث ومع حديث غلام الخضر ما يدل على أن قوله ﷺ: (كل مولود) ليس على العموم.
فعندهم أن النبي ﷺ أخبر أن الله خلق هذا الغلام كافرًا، وإذا كان كذلك استحال أن يكون ولد على الفطرة، لأن قول النبي ﷺ فيه ذلك هو إخبار وحي، لا حكم دنيوي.
وكذلك الحديث الآخر أخبر فيه ﷺ أن من الأطفال من يولد مؤمنًا فهو على الفطرة، ومنهم من يولد كافرا فليس هو على الفطرة.
ووجَّهوا العموم في قوله ﷺ: (كل مولود) بأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب، كما في قول الله ﷿: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وهي لم تدمر السموات والأرض (^١).
والصواب أن الحديث على عمومه، لأنه جاء بألفاظ تدل دلالة قطعية على إرادة العموم، منها: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) (^٢)، و(كل بني آدم يولد على الفطرة) (^٣).
وأما ما استدلوا به من أحاديث فسيأتي الكلام عليها (^٤) (^٥).
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٥٩ - ٦٣)، وقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول طائفة من أهل العلم دون تسمية.
(٢) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).
(٣) رواه الفريابي في القدر (١٢٢) ح (١٦٠).
(٤) انظر ما يأتي ص (٣١٠ و٣١٢ و٣١٧).
(٥) جعل ابن عبد البر ﵀ هذا القول مع ضده في مسألة مستقلة؛ فجعل الخلاف في الفطرة خلافين: خلاف في العموم وعدمه، وخلاف في الحقيقة والماهية. انظر: التمهيد =
[ ١ / ٢٩٦ ]
- وذهب محمَّد بن الحَسَن ﵀ (^١) إلى أن هذا القول من النبي ﷺ كان في أول الإسلام قبل نزول الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد.
قال أبو عبيد: "سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد" (^٢).
ويرده حديث الأسود بن سريع ﵁ المتقدم، فهو نص في المسألة، لأنه كان عقب غزوة حنين، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: "فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهية الخوض في ذلك، وأما قوله فيه: إن ذلك القول كان من النبي ﵇ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد؛ فليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سَريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد" (^٣).
ولعل منشأ الإشكال عنده ﵀ أنه رأى استقرار الشريعة على تبعية
_________________
(١) = (١٨/ ٥٩ - ٦٤)، والذي يظهر من قول هؤلاء أنهم يريدون بالفطرة: الإسلام؛ فإن قولهم لا يطَّرد إلا بهذا، وعليه فالأنسب أن يكون محل قولهم هنا، وقد ذكر أبو عبيد أن هذا هو المفهوم من كلام محمد بن الحسن، والله أعلم.
(٢) هو: أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان الفقيه الأصولي القاضي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، من كتبه: "الآثار"، و"المبسوط"، قال الشافعي: "لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت لفصاحته"، مات بالري سنة (١٨٩ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٣/ ١٢٢).
(٣) غريب الحديث (٢/ ٢٦٥)، وانظر: التمهيد (١٨/ ٦٦ - ٦٧)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٠ - ٣٨٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨٧ - ٧٨٩).
(٤) التمهيد (١٨/ ٦٧).
[ ١ / ٢٩٧ ]
أولاد المشركين لآبائهم في الدنيا، فظن أن قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) يقتضي أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال: هذا منسوخ (^١).
وقبل حكاية الأقوال الأخرى المخالفة لهذا القول يحسن بيان مسألتين، توضحان القول الراجح، وتتضمنان ردًا مجملًا على ما خالفه من أقوال.
المسألة الأولى: المعنى المراد بكون المولود على الفطرة:
ليس المراد من كون المولود ولد على الفطرة، أو على ملة الإسلام، أو على الإسلام، أو خُلق حنيفًا: أنه ولد عالمًا بهذا الدين ومريدًا له، فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضيةٌ موجبةٌ لدين الإسلام لمعرفته ومحبته، إذا سلمت عن المعارض.
قال شيخ الإسلام ﵀ في معنى الفطرة: "وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة" (^٢).
فكل مولود يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وإلهيته، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره.
وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، بل المراد أن نفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، ثم موجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٥).
[ ١ / ٢٩٨ ]
سلمت عن المعارض، وقد يعرض لها ما يفسدها، وهذا كما أن المولود يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، وبغض خلافه، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، وقد يعرض له ما يفسده عليه، فيحب ما لا يلائمه ويبغض ما يلائمه (^١).
المسألة الثانية: بيان منشأ الغلط في هذه المسألة، وسبب الخلاف:
منشأ الغلط في هذه المسألة هو اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن بعض أهل السنة لما رأوا أن أحكام الكفر تجري على أولاد الكفار في أمور الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانة آبائهم لهم وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وبين آبائهم واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين؛ ظنوا أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به.
والصواب أن حكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا، فقد يكون الرجل في أرض الكفار وهو مؤمن كاتم لإيمانه، فيغزوهم المسلمون فيقتلونه - وهم لا يعلمون حاله - فيُعامل معاملة قتلى الكفار، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجرى عليهم في الدنيا أحكام المسلمين وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
وكون أطفال المشركين يتبعون لآبائهم في حكم الدنيا أمر قد علم بالاضطرار من شرع الرسول ﷺ.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠).
[ ١ / ٢٩٩ ]
فإذا عُرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.
والنبي ﷺ لم يرد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، الإخبار بأحكام الدنيا وحال أطفال الكفار، وإنما أراد بيان الحقيقة التي خلقوا عليها (^١).
وسبب الخلاف: أن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس، فكل مولود خلقه الله على الفطرة، وكفره إنما حصل بعد ذلك من الناس.
فأراد الأئمة منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، فصاروا يتأولونه بتأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه، فكان مقصودهم صحيحًا، لكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح، وبعضها ضعيف (^٢).
وأما الأقوال الأخرى في معنى الفطرة فهي خمسة:
القول الأول: أن المراد بالفطرة في الحديث: الخلقة التي خُلق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد: خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، قالوا: والفاطر الخالق وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقد الكفر أو
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٢ و٣٧٧ و٣٨٢ و٤١٧).
[ ١ / ٣٠٠ ]
الإيمان بعد البلوغ إذا ميز (^١).
وقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول عن طائفة من أهل الفقه والنظر دون تسمية، ورجحه على غيره من الأقوال، واختاره كذلك: الطحاوي (^٢)، والقرطبي (^٣).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله ﷺ: (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) (^٤)، قالوا: شبَّه قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم يطرأ عليها النقص بعد بقطع آذانها وأنوفها.
ويدل على ذلك المعنى اللغوي، فالفطرة السلامة والاستقامة، والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم.
ثانيًا: أنه لو كان الأطفال قد فطروا على شيء على الكفر أو الإيمان في ابتداء أمرهم ما انتقلوا عنه أبدًا، والمشاهد بخلاف ذلك.
ثالثًا: أن الله ﷾ قد أخبر بأن الطفل يولد ولا معرفة له بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ومن كان كذلك استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
رابعًا: أن الله ﷾ قد أخبر أن الإنسان إنما يجزى بعمله كما قال:
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٦٨ - ٧١)، ودرء التعارض (٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، وشفاء العليل (٢/ ٨١٥).
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (٤/ ١٧ - ١٩).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨).
(٤) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).
[ ١ / ٣٠١ ]
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وإنما يكون ذلك إذا بلغ، لذا فقد أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا، وإذا تعلق الأمر بالبلوغ امتنع أن يكون الكفر والإيمان حاصل قبله.
خامسًا: أن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، فهذا يدفع كون المراد بالفطرة: الإسلام (^١).
سادسًا: لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب أن يحكم للطفل إذا ولد من بين أبوين كافرين بحكم الإسلام ما دام طفلًا، فلا يرثهما ولا يرثانه، ولوجب ألا يصح استرقاقه ونحو ذلك (^٢).
والجواب عن هذا القول أن يقال: القول بأن: "كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، أي خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك".
إن أُريد بالفطرة فيه مجرد التمكن من المعرفة والقدرة عليها من غير إرادة لها فهذا ضعيف من وجهين:
الأول: أن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حين يُسأل عمن مات صغيرًا.
الثاني: أن النبي ﷺ علل النهي عن قتل أولاد المشركين بكونهم على الفطرة، فإذا كانت الفطرة هي مجرد القدرة، والقدرة في الكبير أكمل منها في
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٧).
(٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
[ ١ / ٣٠٢ ]
الصغير، فوجب أن تعصم دماء المشركين البالغين من باب أولى، وهذا باطل.
وإن أُريد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها أيضًا؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان (^١).
وأما القول: "وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّزوا".
فجوابه أن يقال: إن أُريد بهذا أنهم خُلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر؛ فهذا فاسد لوجهين:
الأول: أنه لا فرق حينئذ بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فعليه كان ينبغي أن يذكر الإسلام كذلك.
الثاني: أن الفطرة على قولهم قابلة للمدح والذم على السواء، وما كان كذلك لم يستحق مدحًا ولا ذمًا لذاته، والفطرة ممدوحة لذاتها في الشرع لأن النبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه النقص الحاصل لها بالجدع، ولأن الله ﷾ أمر بلزومها كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وهذا هو
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٥)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١).
[ ١ / ٣٠٣ ]
الذي يشعر به ظاهر الكلام.
وإن أُريد به أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر بما فيها من قبول واستعداد، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فيقال لهم: هذا القبول والاستعداد، هل هو كاف في حصول المعرفة، أم أن حصولها يتوقف على مؤثر خارجي، فإن كان الأول فقولهم صحيح، وإن كان الثاني فهو باطل لوجهين:
الأول: أن هذا المؤثر يمكن أن يوجد تارة وينعدم أخرى، وإذا انعدم انعدمت المعرفة، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ عمم الفطرة في جميع بني آدم، ولأنه لم يذكر لموجب المعرفة شرطًا، بل ذكر موانعه.
الثاني: أن هذا المؤثر الخارجي يمتنع أن يكون مؤثرًا بذاته، وإنما هو سبب، فعندئذ إن وجب حصول المعرفة فإنما وجبت بالسبب وإن فقدت فلعدمه، وهذا فاسد؛ لأن في الفطرة قبول الكفر والإنكار إذا وجد من يعلمها ذلك، فلا فرق حينئذ بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار، لأن في الفطرة قوة قابلة لكم منهما وحصول أحدهما متوقف على السبب الخارجي، وهذا باطل (^١).
وأما جواب ما استدلوا به من أدلة:
الدليل الأول: جوابه أن يقال: هذا دليل على أن الفطرة هي الإسلام، لأنه شبه التهويد والتنصير بتغيير الخلقة، فدل على أن ضدهما - وهو الإسلام -
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٦)، وشفاء العليل (٢/ ٨١٦ - ٨٢٢). وقد جعل شيخ الإسلام ﵀ أصل كل من هذه الجزئيتين قولًا، مستقلًّا. انظر (٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥ و٤٤٢)، وتابعه على ذلك ابن القيم ﵀. انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٩١ و٨١٥).
[ ١ / ٣٠٤ ]
هو الخلقة الأولى، يوضحه أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا بل اقتصر على ذكر ما يمنعها دون ذكر شرط لها؟
الدليل الثاني إلى السادس: جوابه ما تقدم في الرد المجمل في المعنى المراد بكون المولود على الفطرة.
القول الثاني: أن المراد بالفطرة في الحديث: البَدْأَة التي ابتدأهم عليها؛ فالله ﷾ قد ابتدأهم للحياة والموت والشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم واعتقادهم (^١).
وهذا القول رواية عن أحمد تركها (^٢)، وهو قول ابن المبارك (^٣)، وهو المفهوم من صنيع مالك في الموطأ (^٤).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: أن الفطرة في كلام العرب البَدْأَة، والفاطر: المبدئ والمبتدئ، ومنه أثر ابن عباس ﵄: "لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها" (^٥).
فوجب أن يكون المراد بها هنا: ما ابتدأه الله عليه من السعادة والشقاوة وغير ذلك مما يصير إليه.
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٨ - ٨٠)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ - ٧٩٢).
(٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٩)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٩).
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٩).
(٥) تقدم تخريجه ص (٢٨٩).
[ ١ / ٣٠٥ ]
ثانيًا: قوله ﷿: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠]
عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: "إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا" (^١).
وعن أبي العالية ﵀ قال: "عادوا إلى علم الله فيهم" (^٢).
وعن محمد بن كعب ﵀ قال: "من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه؛ وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، ومن ابتدئ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه؛ وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم" (^٣).
ثالثًا: قول علي ﵁: "جبار القلوب على فطراتها، شقيها وسعيدها" (^٤).
والجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه، وهو ضعيف لوجوه:
الأول: أنه يلزم عليه أن كل مخلوق من إنس وجن وشجر وحجر فهو
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٢)، وابن جرير (١٠/ ١٤٢).
(٢) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٣)، وابن جرير (١٠/ ١٤٣).
(٣) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٣)، وابن جرير (١٠/ ١٤٣).
(٤) رواه الطبراني في الأوسط (٩/ ٤٣) ح (٩٠٨٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٠٧) ح (٣٠٠١٢) ولا يصح، انظر: الضعيفة (٦٥٤٤).
[ ١ / ٣٠٦ ]
مخلوق على الفطرة، لأنها كلها صائرة إلى ما سبق في علم الله لها، وهذا باطل لأن النبي ﷺ خصصه ببني آدم.
الثاني: أن النبي ﷺ ذكر تغيير الأبوين للفطرة، ولو كان المراد بها ما سبق في علم الله للمولود لم يكن لذكر التغيير معنى، لأن الأبوين حينئذٍ لم يغيِّرا الفطرة، بل فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، والنبي ﷺ مثل ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، فيبين أن أبويه غيَّرا ما ولد عليه.
الثالث: أنه لو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين التهويد والتنصير، وبين تلقين الإسلام وتعليمه وبين تعليم سائر الصنائع فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.
الرابع: أن النبي ﷺ خص الفطرة في حال الولادة، ولو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص.
الخامس: أنه جاء عن النبي ﷺ ما يدل أن المراد بالفطرة الإسلام كما تقدم، وهذا يرد كون الفطرة هي القدر السابق (^١).
وأما جواب ما استدلوا به من أدلة:
الدليل الأول: جوابه أن يقال: كون الفطرة في اللغة البداءة لا ينافي أن يولد المولود على فطرة الإسلام، فيكون المراد: أن المولود يبتدئ أمره أن يكون على الفطرة، ثم التغيير قد يطرأ عليها فيما بعد.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ - ٧٩٣).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وتفسير البداءة في الحديث بالبداءة بالسعادة والشقاوة لا يُسَلم، مع الاتفاق على سبق السعادة والشقاوة.
الدليل الثاني: جوابه أن يقال: هذه الآية في إثبات علم الله ﷾ والقدر السابق، لا في الفطرة.
وما نقل عن ابن عباس ومحمد بن كعب وأبي العالية وما يتضمنه من إثبات القدر فهذا حق، لكن ليس ما ذهبوا إليه هو المراد بها (^١).
الدليل الثالث: جوابه أنه ضعيف لا يثبت عن علي ﵁ (^٢).
القول الثالث: أن المراد بالفطرة في الحديث: أن الله ﷾ فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرهًا لا طوعًا (^٣).
وهو قول إسحاق بن راهويه كما يأتي النقل عنه، والأزهري (^٤).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤١١ - ٤١٣).
(٢) فهو من طريق سلامة الكندي عنه، ورواية سلامة عنه مرسلة كما نص عليه أبو حاتم والعلائي والهيثمي. انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٠) رقم (١٣٠٨)، وجامع التحصيل (١٩٣) رقم (٢٧٤)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤) رقم (١٧٣٠٦).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٣ - ٨٨)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٣ - ٤١٧)، وشفاء العليل (٢/ ٨٠١ - ٨٠٣).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٣٢٩).
[ ١ / ٣٠٨ ]
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
قال إسحاق بن راهويه: "أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال: انظروا، ألا تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم" (^١).
وروى السدي (^٢) عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قالوا: "لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذَّر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك قوله أصحاب اليمين والشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم قالوا: بلى، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قالوا فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه".
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٨٤).
(٢) ساقه ابن عبد البر بإسناده إلى السدي، انظر: التمهيد (١٨/ ٨٥ - ٨٦).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠].
رابعًا: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (^١).
قال إسحاق ﵀: "وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زاكية (^٢)؟ فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرًا" (^٣).
وقال ﵀: "فلو ترك النبي ﵇ الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جُبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم النبي ﷺ حكم الطفل في الدنيا فقال: (أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) يقول: أنتم لا تعرفون ما طُبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين أُلحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما، وأما إيمان ذلك وكفره - مما يصير إليه - فعلم ذلك إلى الله، ويُعلم ذلك فضل الخضر موسى (^٤) إذ أطلعه الله
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).
(٢) كذا بالألف، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: حجة القراءات (٤٢٤).
(٣) التمهيد (١٨/ ٨٦).
(٤) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: "ويُعلم بذلك فضل الخضر على موسى".
[ ١ / ٣١٠ ]
عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم" (^١).
خامسًا: حديث عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) (^٢).
والجواب عن هذا القول أن يقال: إن أريد بكونه مفطورًا على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان: أن الله قد سبق في علمه أنهم ينكرون ويعرفون، ويكفرون ويؤمنون فهذا حق، لكن ليس هو المراد بالحديث.
وإن أريد أن الإنكار والمعرفة، والكفر والإيمان كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما هو ظاهر قول إسحاق فإن كان هذا حقًا فهو مؤكد لكونهم وُلدوا على المعرفة والإنكار، وهذا مؤكد كذلك لكونهم ولدوا حنفاء أو على الملة.
وأما القول بأنهم انقسموا إلى طائع وكاره فهذا مشكل لأن الآثار في هذا الباب تدل على التسوية بين الناس في الإقرار.
وإن ثبت فلا يقدح في كون المولود مفطورًا على المعرفة بربه، لأن فيه أن المعرفة عامة، لكن منهم من أقر بها كارهًا، وكرهه لا يقدح في صحة معرفته، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره لكن لا يقر به إلا كارهًا.
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٨٧).
(٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦٢).
[ ١ / ٣١١ ]
على أن هذا لا يسلم لأن الله ﷾ جعل هذا الإقرار حجة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، ولو كان فيهم كاره لاحتج بأنه قال ذلك كرهًا، فلا تقوم عليه الحجة (^١).
وأما جواب ما استدلوا به من أدلة:
الدليل الأول: جوابه ما تقدم آنفًا.
الدليل الثاني: جوابه هذه الآية ليست في الفطرة بل هي في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لدليل ما تقدم من أن الله ﷾ احتج بالإقرار الأول عليهم.
الدليل الثالث: تقدم الكلام عليه، وأن الآية هي في إثبات علم الله ﷾ والقدر السابق، لا في الفطرة.
الدليل الرابع: فالمراد به كتب وختم، وهذا من طبع الكتاب وهو من التقدير، وأما الإقرار الوارد في الآية فليس طبعًا، لأنه ليس بتقدير.
وسبب إشكال هذا اللفظ عليهم أن كثيرًا من الناس يستعمل الطبع في الطبيعة التي بمعنى الجبلة والخلقة (^٢).
وفي توجيه هذا الحديث أربعة مسالك:
الأول: أن هذا الغلام بالغ، ويدل عليه قراءة ابن عباس ﵄ للآية:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٢١ - ٤٢٤).
(٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧ - ٣٨٨).
[ ١ / ٣١٢ ]
"وأما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين" (^١).
وهو مدفوع بأنه ورد في بعض ألفاظ قصة موسى مع الخضر قوله ﷺ: (ولو أدرك) (^٢)، وهذا دليل على أنه لم يدرك بعد، وكذا قوله ﷺ: (فمر بصبي يلعب مع الصبيان) (^٣).
الثاني: أن يقال لعل التكليف في تلك الشريعة يكون قبل الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تمييزه، إما عمومًا أو في التوحيد ومعرفة الله ﷾ كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه.
الثالث: أنه قُتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، فيكون من باب قتل الصائل.
الرابع: أن كفر الصبي كان ظاهرًا وليس من باب الغيب، وعليه فلا إشكال، ولا يَرِد ما قاله إسحاق ﵀ (^٤).
الدليل الخامس: جوابه: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن المولود يفطر على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، وإنما فيه أنه لا يشهد لكل معيَّن من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق أن أطفال المؤمنين في الجملة في الجنة، كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم في الجنة ولا يشهد لمعيَّن بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ (^٥).
_________________
(١) رواها ابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٨٠) رقم (١٢٩٢٤).
(٢) رواه مسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ (٤/ ١٨٤٧) ح (٢٣٨٠).
(٣) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، حديث الخضر مع موسى ﵉ (٤/ ١٥٥) ح (٣٤٠١).
(٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٩ - ٩٠)، ودرء التعارض (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، شفاء العليل (٢/ ٨٠٧ - ٨٠٩).
(٥) انظر: طريق الهجرتين (٢/ ٨٦٤).
[ ١ / ٣١٣ ]
القول الرابع: أن المراد بالفطرة في الحديث: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذَّر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول.
قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع تصديقًا بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف (^١).
وهو قول أبي بن كعب ﵁، وحماد بن سلمة - كما يأتي النقل عنهما -، وابن قتيبة (^٢)، وابن بطة (^٣).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٠ - ٩٣)، درء التعارض (٨/ ٣٥٩ و٤٣٧ - ٤٣٨)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ و٨١٥).
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٥٩).
(٣) انظر: الإبانة (٢/ ٧٤).
[ ١ / ٣١٤ ]
عن أبي بن كعب ﵁ قال: "جمعهم جميعًا فجعلهم أزواجًا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، قال: فإني سأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا برسلي وصدقوا بوعدي، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي. قال فأخذ عهدهم وميثاقهم. . . قال: وهو قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] " (^١).
عن حجاج بن المنهال قال: سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) قال: "هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، حيث قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى" (^٢).
والجواب عن هذا القول أن يقال: هذا القول موافق للقول الراجح الذي عليه جمهور السلف، وليس بينهما تنافٍ، إلا أنه اشتمل على زيادة عليه، وهي أن ذلك كان قبل الولادة حين استخرجوا من صلب آدم.
وقولهم "وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان": صحيح، لأن الإيمان الشرعي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وأما المعرفة
_________________
(١) رواه الحاكم (٢/ ٣٢٤)، وعبد الله (زوائد المسند) (٣٥/ ١٥٥) ح (٢١٢٣٢)، والفريابي (٦٠) ح (٥٢) و(٦٢) ح (٥٣)، وابن جرير (١٠/ ٥٥٧)، وابن بطة (١/ ٣١٤) ح (١٣٣٧) من طرق عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ﵁، وهذا إسناد حسن، وقد صحح الحديث: الحاكم، وحسنه الألباني في تعليقه على المشكاة ح (١٢٢).
(٢) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في ذراري المشركين (٥/ ٦٠) ح (٤٧١٦)، وهو صحيح، انظر: صحيح أبي داود ح (٤٧١٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
والإقرار الحاصلان بالفطرة فلا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، بل يتوقف ذلك على إرسال الرسل، فمن سلمت فطرته عن المعارض فآمن فله الثواب، ومن لا فكفر فعليه العقاب.
القول الخامس: أن المراد بالفطرة في الحديث: ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها، سواء كانت حالًا واحدة لا تنتقل، أو حالًا بعد حال، أي ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء؛ فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنًا، وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرًا، وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه، وقد يكون مؤمنًا حتى يموت على الإيمان، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم (^١).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩].
أي: حالًا بعد حال، على ما سبق لهم في علم الله.
عن مجاهد قال: قال ابن عباس: " ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حاد، قال هذا نبيكم ﷺ" (^٢).
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦/ ١٦٨) ح (٤٩٤٠).
[ ١ / ٣١٦ ]
ويموت مؤمنًا) (^١).
والجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أنهم ولدوا على ما سبق في علم الله أنهم يصيروا إليه، وهو راجع إلى القول الثاني، وتقدم الرد عليه.
وما استدلوا به من أدلة إنما يدل على هذا القدر، على أن حديث أبي سعيد لا يصح تفرد به علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف كما تقدم (^٢).
قال ابن عبد البر ﵀: "وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، والله أعلم" (^٣).
هذه هي أقوال أهل السنة في معنى الفطرة (^٤)، والله أعلم.
فإذا علم أن كل مولود من بني آدم يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، وأن الصواب في معنى الفطرة أنها الإسلام؛ فالناس معها على صنفين:
الأول: من عاش حتى بلغ، وهم قسمان:
- من اختار الإسلام على الكفر.
- من اختار الكفر على الإسلام.
الثاني: من مات قبل البلوغ، وهم قسمان كذلك:
- من كان من أبوين مسلمين، وهم: أطفال المسلمين.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).
(٢) انظر ما تقدم ص (٢٩٥).
(٣) التمهيد (١٨/ ٩٤).
(٤) قال ابن عبد البر ﵀ عقب سياقه لهذه الأقوال: "فهذا ما انتهى إلينا عن العلماء أهل الفقه والأثر - وهم الجماعة - في تأويل حديث رسول الله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) " التمهيد (٨/ ٩٤).
[ ١ / ٣١٧ ]
- من كان من أبوين كافرين، وهم: أطفال المشركين.
فالصنف الأول لا إشكال فيه من جهة معارضة الفطرة، لأنهما بلغا الاختيار، ثم الفطرة سلمت عن المعارض في الأول فوقع موجبها، ولم تسلم في الثاني فانتفى موجبها.
وأما الصنف الثاني؛ فالقسم الأول لاحق بالقسم الأول من الصنف الأول، وحكي الإجماع عليه (^١).
وأما القسم الثاني: فهو محل الإشكال.
وصورة هذا الإشكال: أن أولاد المشركين ولدوا على الفطرة، فهم عليها حتى تعرب عنهم ألسنتهم، فإذا ماتوا كان القياس أنهم من السعداء لكونهم على الإسلام، فإذا لم يكونوا كذلك؛ فكيف يقدر الله ﷾ الشقاء على من لم يعرب عنه لسانه مع كونه على فطرة الإسلام؟
وقد وُجدت نصوص يفهم منها أنهم أشقياء، مثل حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (^٢).
والجواب الجامع على هذا الإشكال هو قول النبي ﷺ: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وفي لفظ: (الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم) (^٣).
_________________
(١) انظر: التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وشرح مسلم للنووي (١٦/ ٤٢٣) والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣٥).
(٢) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).
(٣) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٩) ح (٢٦٦٠).
[ ١ / ٣١٨ ]
فالله ﷿ الذي خلقهم هو أعلم بهم، ويعلم ما كانوا سيكونون عليه لو بلغوا، ولهذا فالصواب في مسألة أطفال المشركين أن يجاب فيها بجواب رسول الله ﷺ: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، فلا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من العلم فيهم إذا كلفوا يوم القيامة في العرصات.
وهذا قول جميع أهل السنة والحديث حكاه الأشعري عنهم في كتابي الإبانة والمقالات (^١)، وحكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في الرد على ابن قتيبة (^٢).
وقد جاءت بذلك الأحاديث، ومن ذلك:
حديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (^٣).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أربعة
_________________
(١) انظر: الإبانة (١٢)، والمقالات (١/ ٣٤٩).
(٢) نقله عنه ابن القيم في أحكام أهل الذمة (٢/ ١١٣٩).
(٣) رواه أحمد (٢٦/ ٢٢٨) ح (١٦٣٠١)، وابن حبان (١٦/ ٣٥٦) ح (٧٣٥٧) من طريق معاذ بن هشام قال حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع ﵁ به، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٤٣٤).
[ ١ / ٣١٩ ]
كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرمًا، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليهم ملكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا ثم يقول: اقتحموها. فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا؛ حقت عليه كلمة العذاب) (^١).
وروي نحو هذا أيضًا من حديث أنس وأبي سعيد الخدري ومعاذ بن جبل ﵃ (^٢).
فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة ليظهر علم الله ﷾ فيهم.
وفي أطفال المشركين مذاهب أخر ليس هذا محل بسطها ومناقشتها (^٣)، إلا أن هذا القول هو الذي تعضده الأدلة الصحيحة، وهو أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث، وهو الذي تدل عليه الأصول المعلومة بالكتاب والسنة (^٤).
وبهذا الجواب يزول الإشكال، ويظهر أنه لا تنافي بين تقدير الشقاء على بعض أولاد المشركين وبين كونهم على الفطرة، والله أعلم.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٦/ ٢٣٠) ح (١٦٣٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٢٨) ح (٤١٣)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤٤٥) ح (٥١٤)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٤٠٤).
(٢) انظر: الصحيحة ح (٢٤٦٨).
(٣) انظر هذه الأقوال في أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٦ - ١١٥٨).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٧)، ودرء التعارض (٨/ ٤٣٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١١٣٧ - ١١٤٧).
[ ١ / ٣٢٠ ]