للإيمان بالقدر ثمراتٌ جليلةٌ، تعود على المؤمن بأعظم المنافع، وأكبر المكاسب.
ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: ثمرات أخروية؛ هي غاية مطلوب المؤمِن، وأسمى مقاصده.
الثاني: ثمرات دنيوية؛ هي من عاجل ثواب الله للمؤمن، وكلتاهما محف فضل الله ومنته ﷾.
أما الثمرات الأخروية: فهي الفوز برضا الله ﷿، ودخول جنته، ولذَّة النَّظر إلى وجهه الكريم، وهذه ثمرة تتحصَّل - بإذن الله - من الإيمان بالأركان السِّتة مجتمعة؛ التي منها الإيمان بالقدر.
وأما الثمرات الدنيوية فكثيرة جدًا، ومنها:
١) تحقيق صحة الإيمان، لأن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها - كما تقدم -.
٢) تحقيق العبودية لله ﷾ والاجتهاد في طاعته، يدلُّ على ذلك:
ما رواه جابر ﵁ أن سُرَاقة بن جُعشُم ﵁ قال: يا رسول الله! أخبرنا عن أمرنا كأنا ننظر إليه؛ أبما جرَت به الأقلام وثبتت به المقادير، أو بما
[ ١ / ٤٣ ]
يستأنف؟ قال: (لا بل بما جرَت به الأقلام وثبَتَت به المقادير). قال: ففيمَ العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل ميسر).
قال سُرَاقة ﵁: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (^١).
بيان ذلك: أن المقدور إنما يُنال بالسَّبب الذي نصَبَه الله ﷿ ليوصَل به إليه، فإذا أتى العبد بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبَق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهاده في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا يدل على جلالة فقه الصحابة، ودِقَّة أفهامهم، وصحَّة علومهم (^٢).
وما رواه أبو نعامة السعدي قال: "كنا عند أبي عثمان النَّهدي، فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا منِّي بآخره، فقال: ثَبَّتَك الله! كنا عند سلمان فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، قال سلمان: ثَبَّتَك الله تعالى، إن الله تعالى لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج ما هو كائن إلى يوم القيامة، خلق الذكر والأنثى، والشقاوة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، فَمِن عَلَم السعادة فعلُ الخير ومجالسُ الخير، ومن عَلَم الشقاوة فعلُ الشر ومجالسُ الشر" (^٣).
قال ابن القيم ﵀: "وذلك لأنه إذا كان قد سبَق له من الله سابقة وهيَّأه ويسَّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظمَ من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبَقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها
_________________
(١) رواه ابن حبان: كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، (٢/ ٤٩) ح (٣٣٧)، وأصله - بدون جملة سراقة الأخيرة - عند مسلم ح (٢٦٤٨).
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١١٩ - ١٢٠).
(٣) رواه الفريابي (٦٠) رقم (٥١)، وابن بطة (٢/ ١٦٩) رقم (١٦٥٢).
[ ١ / ٤٤ ]
الله وشاءها وكتبها وقدرها، وهيَّأ له أسبابها لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وَجوده السابق فسبَق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها، فالمؤمن أشد فرحًا بذلك من كون أمره مجعولًا إليه" (^١).
٣) تحقيق التوكل على الله ﷾ والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضارِّ، إذ يوْقِن المؤمن بالقدر بأنه ﷾ مقدِّر الأسباب والمسبَّبات.
٤) تحقيق شكر الله ﷿ وعدم الإعجاب بالنفس عند حصول المطلوب، لأنه إنما حصل بتوفيق الله ﷾ وفضله بما يسَّره ووفَّق له من أسباب ذلك المراد، كما قال ﷿ عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، أي: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الذي أَكسَبَنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنَّا، وما كنا لنرشُد لذلك لولا أن أرشَدَنا الله له ووفَّقنا بمنِّه وطَوْله (^٢).
٥) دوام انشراح الصدر وطمأنينة القلب في كل حال يكون عليها المرء، سرَّاءَ كانت أم ضراء، فالمؤمن بالقدر في السَّراء شاكر، وفي الضراء صابر، كما بَيَّن ذلك النَّبيُّ ﷺ بقوله: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأَحَد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبَر فكان خيرًا له) (^٣).
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٢١).
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٢٠٠).
(٣) رواه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، (٤/ ٢٢٩٥)، ح (٢٩٩٩). عن صهيب ﵁.
[ ١ / ٤٥ ]
٦) تسلية النفس وعدم القلق والضَّجر عند فوات المراد أو وقوع المكروه، لأن ذلك إنما كان بقضاء الله وقدره (^١)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسَلِّم" (^٢).
إلى غير ذلك من الثمرات النافعة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه خير مسؤول.
_________________
(١) انظر: الإبانة (٢/ ٢٥٠).
(٢) رواه البيهقي: كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع (٤/ ٦٦).
[ ١ / ٤٦ ]