الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، وأصلٌ عظيمٌ من أصوله التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، كما في حديث جبريل ﵇ الطويل وفيه: قال فأخبرني عن الإيمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره) (^١).
وقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ثبوت القدر ووجوب الإيمان به.
فمن أدلة الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
قال القرطبي ﵀: "أي قدَّر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوٍ وغفلةٍ، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة، فهو الخالق المقدِّر" (^٢).
- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ (١/ ٣٦)، ح (٨).
(٢) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
[ ١ / ٣٥ ]
قال ابن كثير ﵀: "وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه" (^١).
- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدَّرناه وقضيناه" (^٢).
وسبق قول ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها" (^٣).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
ومن أدلة السنة:
- حديث جبريل المتقدم (^٤).
- حديث جابر ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٢٢).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٦٠).
(٣) تفسير ابن كثير (١٣/ ٣٠٤).
(٤) ص (١٢).
[ ١ / ٣٦ ]
أخطأه لم يكن ليصيبه) (^١).
- حديث علي ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع؛ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) (^٢).
- حديث أبي الدرداء ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لكل شيء حقيقة؛ وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه) (^٣).
- حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني) (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، (٤/ ٢٢) ح (٢١٤٤)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٢٤٣٩).
(٢) رواه الترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، (٤/ ٢٢ - ٢٣) ح (٢١٤٥)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، (١/ ١٠٥) ح (٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٧٥٨٤).
(٣) رواه أحمد: (٤٥/ ٤٨٢) ح (٢٧٤٩٠)، والبزار: (١٠/ ٤٥) ح (٤١٠٧)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٣٠١٩).
(٤) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر (٥/ ٥٢) ح (٤٧٠٠)، والترمذي أبواب القدر، =
[ ١ / ٣٧ ]
- عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشِيت أن يُفسِد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبَيَّ بن كعب ﵁ فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشِيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قُبِل منك حتى تؤمن بالقدر؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن متَّ على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أُبَيٌّ، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة.
فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال، وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله.
فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قبِله منك حتى تؤمن بالقدر كله؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار) (^١).
_________________
(١) = باب، (٤/ ٢٩) ح (٢١٥٥)، وصححه الألباني في الصحيحة تحت ح (٢٤٣٩).
(٢) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر (٥/ ٥١) ح (٤٦٩٩)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، (١/ ١٠٠ - ١٠١) ح (٧٧)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٦٢).
[ ١ / ٣٨ ]
إلى غير ذلك من الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، وأما الأحاديث في إثبات القدر عمومًا فكثيرة جدًا (^١)، وكذا الآيات والأحاديث الخاصة بكل مرتبة من مراتب القدر، بل كل دليل على التوحيد فهو دليل على القَدَر؛ قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد؛ قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبُه التوحيدَ (^٢) " (^٣).
وذلك أن الإيمان بالقدر له مساسٌ بأقسام التوحيد الثلاثة (^٤)، فـ "من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه" (^٥).
وأما الإجماع:
فقد حكاه غير واحد من أهل العلم؛ ومنهم:
- اللالكائي ﵀، فقد قال - بعد حكاية قصة عمر ﵁ مع الجاثَليق (^٦) مستدلًّا بها على الإجماع وفي آخرها: "فتفرق الناس وما يختلف في
_________________
(١) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ٢١٢) وما بعدها.
(٢) سيأتي تخريجه ص (٤١).
(٣) شفاء العليل (١/ ٢٢٨)، وقد قال ﵀ في تهذيب السنن (٤/ ٢١٣٦): "وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية؛ فإذا هي تقارب خمسمائة دليل".
(٤) انظر: القول المفيد (٢/ ٤٢٩).
(٥) طريق الهجرتين (١/ ١٧٩).
(٦) الجاثَلِيق: بفتح الثَّاء المثلَّثة؛ رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام، ويكون تحت =
[ ١ / ٣٩ ]
القدر اثنان" - قال: "فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار فهو في هذه المسألة، فمن خالف قوله فيها فهو معاند مشاقق يلحق به الوعيد، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] " (^١).
- النووي ﵀، قال: "وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾" (^٢).
- وقال شيخ الإسلام: "أهل السنة متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير" (^٣).
- ابن حجر ﵀، قال: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (^٤).
وأما آثار السلف في هذا فكثيرة أيضًا، ومنها:
- أثر علي ﵁ قال: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظانّ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن
_________________
(١) = يد بِطريق أنطاكية، ثم المَطران تحت يده، ثم الأَسْقُف يكون في كل بلد من تحت المَطران ثم القسِّيس ثم الشَّماس. القاموس المحيط (٣/ ٢١٠ - ٢١١).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٢٥ - ٧٢٦).
(٣) شرح صحيح مسلم (١/ ١١٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٨).
(٥) فتح الباري (١١/ ٤٧٨).
[ ١ / ٤٠ ]
ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله" (^١).
- أثر ابن مسعود ﵁ قال: "لن يجد رجل طعم الإيمان - ووضع يده على فيه - حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث" (^٢).
- أثر ابن عباس ﵄ قال: "القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله ﷿ وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحَّد الله تعالى وكذب بالقدر نقضَ التوحيد" (^٣).
- أثر الحسن ﵀ قال: "من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام" (^٤).
- أثر زيد بن أسلم ﵀ قال: "القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ﷿" (^٥).
- أثر مالك ﵀ قال: "ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لكفى بها حجة" (^٦).
والحاصل أن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف ﵃.
_________________
(١) رواه ابن بطة (٢/ ٥٨) رقم (١٤٥٩)، واللالكائي (٤/ ٧٣٨) رقم (١٢١٤).
(٢) رواه عبد الرزاق (١١/ ١١٨) رقم (٢٠٠٨١).
(٣) رواه الفريابي (١٤٣) رقم (٢٠٥)، وعبد الله في السنة (٢/ ٤٢٢) رقم (٩٢٥).
(٤) رواه الفريابي (١٨٨) رقم (٢٩٥)، وعبد الله في السنة (٢/ ٤٢٥) رقم (٩٣٤).
(٥) رواه الفريابي (١٤٤) رقم (٢٠٧)، وابن بطة (٢/ ٢٢٢) رقم (١٨٠٥).
(٦) رواه الفريابي (١٨٦) رقم (٢٩٠)، وابن بطة (١/ ٢٨٠) رقم (١٣٠٢)، و(٢/ ٢٥٦) رقم (١٨٥٨).
[ ١ / ٤١ ]