جاءت هذه القاعدة مقرَّرة في كلام السلف بنحو هذه الألفاظ.
فعن علي ﵁ أنه قال لمن سأله عن القدر: "سِرّ الله فلا تكَلَّفه" (^٢).
وعن طاووس ﵀ أنه قال لرجل: "إن القدر سِرّ الله فلا تدخلن فيه" (^٣).
_________________
(١) انظر ص (٤٧) وما بعدها.
(٢) رواه الآجري (٢/ ٨٤٤) رقم (٤٢٢)، وابن بطة (٢/ ١٤٠) رقم (١٥٨٣)، واللالكائي (٤/ ٦٩٥) رقم (١١٢٢).
(٣) رواه الآجري (٢/ ٩٤٠) رقم (٥٣٥)، وابن بطة (٢/ ٣١٣) رقم (١٩٩٣).
[ ١ / ٦١ ]
بل قد رُوِي هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فرُوي من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: (لا تكلَّموا بشيء من القدر فإنه سِرّ الله، فلا تفشو سِرّ الله)، ولكنه ضعيف (^١).
ومن حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه: (لا تُفشوا في الكلام - يعني القدر - فإنه سِرّ الله)، وهو ضعيف أيضًا (^٢).
ومن حديث عائشة ﵂، ولفظه: (القدر سِرّ الله، من تكلم به يسأله عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم به لم يسأل عنه)، وهو ضعيف كذلك (^٣).
وهذا المعنى - وهو كون القدر سِرّ الله فلا يُتَعمَّق فيه - معنى صحيح، تتابع أهل العلم عليه سواء بهذا اللفظ أو بما يقاربه من المعاني.
قال عليُّ بن المدِيني ﵀ (^٤): "والكلام في القدر وغيره من السنة
_________________
(١) رواه اللالكائي (٤/ ٦٩٥) رقم (١١٢٢)، وأبو نعيم (٦/ ١٨٢)، وضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٢٥) ح (٤٠٧٢)، لكنه عزاه لابن عدي من حديث ابن عمر ﵄، وهو عنده من حديث عائشة ﵂، انظر الكامل (٧/ ١٩١)، وضعفه كذلك الألباني في ضعيف الجامع ح (٤١٣١).
(٢) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٦٧٥ - ٦٧٦) وحكم عليه بالوضع؛ قال بعد سياقه له ولحديث آخر من طريق محمد بن عبد بن عامر التميمي: "وهذان الحديثان لا أصل لهما عند ذوي المعرفة بالنقل - فيما نعلمه - وقد وضعهما محمد بن عبد إسنادًا ومتنًا".
(٣) رواه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٩١)، وضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٢٥) ح (٤٠٧٢) - كما تقدم - وانظر: فيض القدير (٤/ ٥٣٤).
(٤) هو: الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، أبو الحسن، علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي، مولاهم البصري، المعروف بابن المديني، مولى عروة بن عطية السعدي، أحد أئمة الحديث فِي عصره، والمقدم على حُفَّاظ وقته، =
[ ١ / ٦٢ ]
مكروه، ولا يكون صاحبه - وإن أصاب السنة بكلامه - من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالإيمان" (^١).
وقال الطحاوي ﵀: "وأصل القدر سِرّ الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك ملَك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك، نظرًا وفكرًا ووسوسةً، فإن الله تعالى طوَى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب؛ كان من الكافرين" (^٢).
وقال البربهاري ﵀: "والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق لأن القدر سِرّ الله" (^٣).
وقال الآجري ﵀: "لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر؛ لأن القدر سر من سر الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به" (^٤).
وقال أبو المظَفَّر السَّمعاني ﵀: "القدر سِرّ من سِرّ الله وعلم من
_________________
(١) = ولد بالبصرة سنة (١٦١ هـ)، وتوفي بسر من رأى سنة (٢٣٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٢١)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤١).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٨٦).
(٣) العقيدة الطحاوية مع الشرح (١/ ٣٢٠).
(٤) شرح السنة له (٨٠).
(٥) الشريعة (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨).
[ ١ / ٦٣ ]
علمه، ضربت دونه الأستار، وكُفَّت عليه الأزرار، واختص الله به علام الغيوب" (^١).
وقال البغوي ﵀: "والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أن الله ﷾ خلق الخلق فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلًا" (^٢).
فهؤلاء الأئمة أطلقوا هذه الكلمة أصلًا كُلِّيًا في باب القدر، مُنَزَّلًا منزلة الدليل على وجوب ترك الخوض فيه - على ما سبق توجيهه - (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠)، وأبو المظفر هو: الإمام العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني المروزي الحنفي ثم الشافعي، ولد سنة (٤٢٦ هـ)، كان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة، من كتبه: "الانتصار لأصحاب الحديث"، و"المنهاج لأهل السنة" مات سنة (٤٨٩ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٣٣٥).
(٢) شرح السنة له (١/ ١٤٤).
(٣) انظر: ما تقدم ص (٤٩) وما بعدها.
[ ١ / ٦٤ ]