قال ابن قتيبة ﵀: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة فأنظره قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا، وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدره فيهم يتم، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدَّق عليهم ما ظنه فيهم فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكِّين يعني نعلمهم موجودين ظاهرين، فيحق القول ويقع الجزاء" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).
(٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ١٩٤).
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال البغوي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١]: "أراد علم الوقوع والظُّهور، وقد كان معلومًا عنده بالغيب" (^١).
وقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]: "ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبًا" (^٢).
وقال السعدي ﵀: "القاعدة الثامنة والأربعون: متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها، كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء. . . وقد ورد عدة آيات يخبر بها أنه شرع وقدر كذا؛ ليعلم كذا، فوجه هذا: أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وأما علمه بأعمال العباد وما هم عاملون قبل أن يعملوا، فذلك علم لا يترتب عليه الجزاء، لأنه إنما يجازي على ما وجد من الأعمال، وعلى هذا الأصل نزل ما يرد عليك من الآيات" (^٣).
وقال ابن عثيمين ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]: "المراد علم الظُّهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب" (^٤).
_________________
(١) تفسير البغوي (٦/ ٣٩٧).
(٢) تفسير القرطبي (٢١/ ٣١٢).
(٣) القواعد الحسان لتفسير القرآن (١٢٣).
(٤) تفسير القرآن؛ الحجرات إلى الحديد (٤٢٤).
[ ١ / ١٧٦ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل القرآن في مواطن كثيرة على إثبات علم الظهور، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
وغير ذلك من الآيات.
[ ١ / ١٧٧ ]