هذه القاعدة هي نص حديث النبي ﷺ، ولها تعلق مباشر بعدد من أبواب القدر، من أهمها: باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال.
وهي على وجه العموم قد انتظمت الشرع والقدر والسبب والمسبب (^١).
كما أن لها تعلقًا متينًا بالقاعدة السابقة: "الله ﷾ جبل العباد على ما شاء"، وذلك أن جبل الله ﷾ للعباد - كما تقدم - خلْقُ ذواتهم وأفعالهم، ومن ذلك خلق إراداتهم من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وهذا مشتمل على التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى، فتكون هذه القاعدة أخص منها.
ولهذا وضع بعض أهل العلم لفظ (التيسير) مكان لفظ (الجبل)، بديلًا للفظ (الجبر) المبتدَع، كما صنع الإمام ابن القيم ﵀ (^٢).
وأما ارتباطها بباب الهدى والضلال، فلأن التيسير لليسرى - في الحقيقة - هو الهدى، والتيسير للعسرى هو الضلال.
وأما ارتباطها بباب الحكمة، فلأن الله ﷾ يعلم المحل الذي يصلح لفضله وكرامته وعطائه، من المحل الذي لا يصلح لذلك، وحكمته ﷾ تأبى وضع الشيء إلا في المكان الذي يصلح له، فالله ﷾ علم من بعض خلقه صلاحيتهم لفضله فيسرهم لأسباب السعادة، وعلم من بعضهم عدم ذلك فيسرهم لخلافها.
وأما ارتباطها بباب الأسباب، فلأن الله ﷿ يعلم الأمور على ما هي عليه؛
_________________
(١) انظر: التبيان في أيمان القرآن (١٠٠)، وانظر (٨٨) منه.
(٢) التبيان في أيمان القرآن (٩٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
فهو يعلم أن السعيد يسعد بأسباب السعادة التي هي الأعمال الصالحة، والشقي يشقى بأسباب الشقاء وهي الأعمال السيئة، فمن كان سعيدًا يُسِّر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقيًا يُسِّر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له (^١).
وقول النبي ﷺ: (كل ميسر لما خلق له)، أجاب به في عدة مواطن على سؤال تكرر من عدد من الصحابة ﵃، ومضمون هذا السؤال: هو أنه إذا كان قد سبق القدر بالسعادة والشقاوة، فما فائدة العمل؟ فمن كتبه الله من أهل السعادة فسيصير لها، ومن كتبه من أهل الشقاوة فكذلك سيصير لها.
فأجاب النبي ﷺ بهذا الأصل الكلي المتضمن لأصول أربعة:
الأول: إثبات الأسباب، ببيان أن كلًّا من السعادة والشقاوة إنما تنال بأسبابها.
الثاني: إثبات القدر السابق، وأنه لا تنافي بينه وبين كون الإنسان له قدرة على فعله وله اختيار.
الثالث: أن هذا عام في كل مخلوق، بدلالة لفظ: (كلّ).
الرابع: أن من الناس من خلق للسعادة، ومنهم من خلق للشقاء، فلم يخلقوا كلهم للسعادة ثم منهم من اختار الشقاء.
وقد ورد حديث أبي حميد الساعدي ﵁ بلفظ: (أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسرٌ لما كتب له منها) (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٣ - ٢٤).
(٢) رواه ابن ماجه كتاب التجارات، باب الاقتصاد في المعيشة (٣/ ٥١٢) ح (٢١٤٢)، =
[ ١ / ٣٥٠ ]
فعليه يكون هذا الحديث عامًا في أمور الدنيا والآخرة، ويكون التيسير من الله ﷾ للعبد شاملًا لتيسيره لأسباب آخرته ومآله، ولتيسيره لأسباب دنياه ومعاشه.
ومعنى تيسير الله ﷾ للعبد: أي تهيئته وصرفه وتسهيله، أي أن الله ﷿ يُلهم عبده العمل الذي قدره له ويُهيئ له أسبابه (^١).
وهذا التيسير نوعان - كما في الحديث -:
- تيسير لليسرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، وأصل اليسرى: الخَلَّة والحالة السهلة النافعة المهيأة للعبد، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة، وذلك يتضمن التيسير للخير وأسبابه، فتصير خصالهما مَذلَّلة له منقادة لا تستعصي عليه (^٢).
وقد ذكر ﷾ للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب:
الأول: إعطاء العبد ما أمره الله ﷿ به، وهذا متضمن فعل العبد لجميع ما أمر الله ﷾ به، من اعتقاد وقول وعمل، ويدل على العموم حذفه للمفعول، فلم يعين مفعولًا بعينه بل أطلق.
_________________
(١) = والحاكم (٢/ ٣)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن أبي حميد الساعدي ﵁، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٨٩٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٨).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٦٦)، الهداية إلى بلوغ النهاية (١٢/ ٨٣١٢)، التبيان في أيمان القرآن (٩٥ - ٩٦).
[ ١ / ٣٥١ ]
الثاني: التقوى، وهي فعل المأمور وترك المحظور.
الثالث: التصديق بالحسنى، وهو التصديق با لإيمان وجزائه، وعلى هذا تدور تفاسير السلف للحسنى (^١).
وعند التأمل يلاحظ عود هذه الأسباب الثلاثة إلى سبب واحد وهو التقوى، فالعمل بالمأمور من قول أو عمل أو اعتقاد مع اجتناب ضده هو حقيقة التقوى، ويدخل في ذلك التصديق بخبر الله ﷾، ومن ذلك التصديق بما وعد الله من ثواب دنيوي جزئي، أو أخروي كامل.
لذلك فقد علق الله ﷿ التيسير عليها وحدها في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، والله أعلم.
والتيسير لليسرى يختلف قوة وضعفًا بحسب تحقيق العبد لهذه الأسباب.
- تيسير للعسرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]، العُسرى: هي الخَلَّة والحالة العسرى، وذلك بالعمل بالمعاصي، وهذا يتضمن التيسير للشر وأسبابه.
وقد ذكر ﷾ في مقابل ما ذكره من أسباب التيسير لليسرى - ثلاثة أسباب للتيسير للعسرى:
الأول: البخل وعدم إعطاء ما أُمر به العبد.
_________________
(١) للسلف في تفسير (الحسنى) أقوال، أوصلها بعضهم إلى ستة، وحصرها ابن القيم في ثلاثة: لا إله إلا الله، والجنة، والخَلَف، وكل ما ذكر في تفسيرها يرجع إلى الإيمان وجزائه، فمن فسرها بلا إله إلا الله؛ فقد فسرها بالإيمان والدين، ومن فسرها بالجنة أو بالخَلَف؛ فقد فسرها بجزاء الإيمان؛ الجزاء الأعلى في الأول، ونوعًا من الجزاء في الثاني. انظر: تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٢٤)، زاد المسير (٩/ ١٤٩)، التبيان في أيمان القرآن (٩١ - ٩٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
الثاني: الاستغناء وترك التقوى.
الثالث: التكذيب بالحسنى.
والتيسير للعسرى - كذلك - يختلف قوةً وضعفًا بحسب قيام العبد بأسبابه، حتى يصل إلى التعسير المطلق الذي تنسدُّ معه كل أبواب الخير، وتفتح كل أبواب الشر، عياذًا بالله ﷾.
وكل من (اليسرى) و(العسرى) فُسِّرتا بالجزاء وأسبابه، ففسرت اليسرى بالجنة وبالخير، وفسرت العسرى بالنار والشر (^١).
لذا، فإن للتيسير في كل منهما يكون للجزاء وسببه، مع دفع معارضه، بحسب وجود أسباب كل منهما.
والمراد بقول النبي ﷺ في الحديث: (لما خُلق له) أي لما قدره الله ﷾ وكتبه أن يصير إليه من سعادة وشقاوة، وجنة ونار، فمن خلقه للسعادة يسره لها ولأسبابها فضلًا منه ﷾، ومن خلقه للأخرى يسره لها ولأسبابها عدلًا منه ﷾، وهو الحكيم في كل ما يقوله ويفعله.
والمقصود أن الله سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: زاد المسير (٩/ ١٤٩ - ١٥٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]