هذه القاعدة أصل عظيم يتعلق بالدين كله من أوله إلى آخره، قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الأصل - وهو عدل الرب - يتعلق بجميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل في ذلك" (^١).
ولمادة (ظَلَمَ) في اللغة أصلان صحيحان:
الأول: من الظُّلْمة، وهي خلاف النور، وجمعه ظُلَم وظلمات، والظلام اسم لها، يقال: أظلم المكان إظلامًا، فهو مظلم.
الثاني: من الظُّلْم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم يظلم ظلمًا، ومنه المثل السائر: من أشبهْ أباه فما ظَلَم (^٢).
قال الأصْمَعيَ ﵀ (^٣): "ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه".
وقد ذُكر للظلم معان أخرى ترجع إلى هذا الأصل:
فقيل: الميل عن القصد، ومنه قولهم: الزم هذا الصوب ولا تظلم منه
_________________
(١) جامع الرسائل (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٠٠).
(٣) هو: أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع البصري، اللغوي الإخباري، حجة الأدب، ولسان العرب، ولد سنة بضع وعشرين ومئة، من تصانيفه: "الإبل" و"خلق الإنسان"، و"الشاء"، أثنى عليه الإمام أحمد في السنة، مات سنة (٢١٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٥٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥).
[ ١ / ٣٦٥ ]
شيئًا، أي لا تَجُر عنه.
وقيل: النقصان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، أي: ما نقصونا شيئًا بما فعلوا، ولكن نقصوا أنفسهم (^١) (^٢).
وأما الظلم في الشرع فيرجع إلى الأصل اللغوي الثاني، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو نوعان:
أولهما: الظلم في حق المخلوق، وهو قسمان:
القسم الأول: ظلم النفس، وهو على حالتين:
الأولى: ظلمها بتحميلها ما لا تطيق، بمشروع كصلاة ونحوها، أو بمباح كلهو ونحوه.
الثانية: ظلمها بالذنوب والمعاصي، وهذا على ضربين:
- ظلم أكبر، بالشرك الأكبر.
- ظلم أصغر، بالذنوب التي دون الشرك.
القسم الثاني: ظلم الغير، بالاعتداء على دمه أو ماله أو عرضه، ونحو ذلك.
ثانيهما: الظلم في حق الخالق، والكلام عليه من خلال مسائل ثلاث:
الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
الثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.
الثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٥٠٥).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٣٨٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ٤٦٨)، مادة: (ظلَم).
[ ١ / ٣٦٦ ]
المسألة الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
تفسير أهل السنة والجماعة للظلم موافق للسان العربي الذي نزل به القرآن العزيز، فيقولون: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ويفسرون الظلم المنفي عن الله ﷾ بما يرجع إلى هذا المعنى، ولهم في تفسيره أقوال، وهذه الأقوال هي في الحقيقة صور الظلم الممكن وقوعها، وهي:
الأول: أن ينقص من حسنات العامل، أو يزاد عليه من سيئات غيره.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، لا يخاف ظلمًا: بأن يحمل من سيئات غيره، ولا هضمًا: بأن يبخس شيئًا من حسناته.
قال ابن عباس ﵄: "لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته" (^١)، وجاء هذا التفسير عن عدد من السلف: مجاهد وقتادة والحسن رحمهم الله تعالى (^٢).
الثاني: عقوبة من لم يذنب.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]، يبين لهم هذا المؤمن أن هذا العقاب لم يكن ظلما منه ﷾ لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولكنه
_________________
(١) رواه ابن جرير (١٦/ ١٧٦).
(٢) انظر: المصدر السابق (١٦/ ١٧٦ - ١٧٧).
[ ١ / ٣٦٧ ]
أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بالخبر في مواضع من كتاب الله ﷿ (^٢)، وبالإنشاء في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
الثالث: أن ينقص ثواب العمل.
وجاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
يخبر ﷿ أنه يلحق بالمؤمن ذريته الذين اتبعوه على الإيمان فيرفعهم إلى درجته وإن لم يعملوا مثل عمله لتقر بهم عينه، ثم أخبر ﷾ أنه لا يظلمه فلا ينقص لأجل ذلك من عمله شيئًا.
قال سعيد بن جبير ﵀ في قوله ﷿: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: "وما ظلمناهم" (^٣)، ومثله عن قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (^٤).
المسألة الثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.
تنزيه الله عن الظلم هو مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه (^٥)، وقد تقدم تفسير الظلم ومعناه عند أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣١٥ - ٣١٦)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).
(٢) الأنعام: (١٦٤)، الإسراء: (١٥)، فاطر: (١٨)، الزمر: (٧).
(٣) رواه ابن جرير (٢١/ ٥٨٦).
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢١ و١٢٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقد دل على تنزه الله ﷾ عن الظلم - مع الإجماع - الكتاب والسنة والعقل.
وقد تقدمت دلالة الكتاب والسنة على ذلك، وأما دلالة العقل، فمن وجوه:
الأول: أن الظلم نقص وعيب بإجماع العقلاء من جميع الأمم، والله ﷾ منزه عن النقص، فوجب أن يكون الله ﷾ منزهًا عن الظلم.
الثاني: أن العدل - وهو نقيض الظلم - صفة كمال ومدح، فوجب أن يكون الله ﷿ متصفًا بها؛ لأنه أحق وأولى بكل كمال (^١).
الثالث: أن الظلم شر بالإجماع، والشر ليس إليه ﷾، كما أخبر النبي ﷺ بذلك (^٢).
الرابع: أن الله ﷾ سمى ووصف نفسه بما يدل على تنَزُّهه عن الظلم.
ومن ذلك: تسميته نفسه بالحكم والحاكم والحكيم، ووصف نفسه بالحكمة.
وأصل الحكم: المنع، وأوّل ذلك الحُكْم بمعنى المَنْع من الظُّلْم، ومن هنا قيل للحاكم بين الناس حاكم: لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكومة: رد الرجل عن الظلم (^٣).
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٥٥).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، والحديث المشار إليه رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ١٣٤) ح (٧٧١) من حديث علي ﵁.
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ١١٠)، ومقاييس اللغة (٢/ ٩١)، مادة: (حكَم).
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، قال ابن كثير ﵀: "أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يَجُور ولا يَظلم أحدًا؟ " (^١).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالسلام، ومن معانيه: الذي سلِم خلقه من ظلمه (^٢).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالمؤمن، ومن معانيه: الذي أمَّن خلقه من أن يظلمهم (^٣).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالمتكبِّر، ومن معانيه: الذي تكبَّر عن ظلم عباده (^٤).
قال ابن القيم ﵀: "فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه" (^٥).
ومعنى تحريم الظلمِ الواردُ في حديث أبي ذر ﵁: المنع، أي منعت نفسي من الظلم، وهذا المنع هو حق أوجبه الله ﷾ على نفسه تفضلًا وتكرمًا بحكم وعده، وبما كتبه على نفسه من تحريم الظلم، وبموجب أسمائه وصفاته، لا أنه يجب عليه كما يجب على المخلوق (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٩٦).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥١)، وشأن الدعاء (٤١)، وتفسير القرطبي (٢٠/ ٣٩٠).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٢).
(٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٢٧).
(٥) شفاء العليل (٢/ ٥١٢).
(٦) انظر: منهاج السنة (٢/ ٣١٠).
[ ١ / ٣٧٠ ]
المسألة الثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.
تقدم في المبحث الثامن من الفصل الماضي بيان شمول قدرة الرب ﷾ لكل شيء، وأنه يدخل في ذلك ما عُلم أنه ﷿ لا يفعله، وتقدم كذلك بيان كون الممتنع ليس بشيء أصلًا بإجماع أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم، فأغنى عن إعادته هنا (^١).
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الظلم ممكن مقدور لله ﷾، وليس هو بممتنع، وقد دل على ذلك:
أولًا: تمدحه ﷾ بتركه وعدم إرادته، ولو لم يكن مقدورا له لما كان لذلك التمدح معنى؛ لأن الأمر الذي لا يُقدر عليه لا يصح أن يُمدح الممدوح بتركه أو عدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها (^٢).
بل لم يكتف الله ﷿ بالإخبار بنفي الظلم وأنه حرمه على نفسه ولم يرده، حتى نوَّع الأدلة على ذلك ما بين تأمين العباد منه، ونفيه ﷾ التسوية بين الطائع والعاصي؛ وهذا كله يدل على أن الظلم مقدور له.
ثانيًا: أن الله ﷾ أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته؛ فلا يصح أن يقال: حرمت على نفسي خلق مثلي، ونحو ذلك من المحالات، لأن المعنى حينئذ: أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا لي لا أفعله.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٢٧١ - ٢٧٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٢).
[ ١ / ٣٧١ ]
وهذا المعنى باطل، فهو مع خلوه من معنى يستفيده السامع، ليس فيه مدح ولا ثناء، وخطاب الله ورسوله ينزه عن إرادة مثل هذا المعنى (^١).
ثالثًا: أن القدرة على الظلم صفة كمال وضدها نقص، والله ﷾ متصف بالكمال ومنزه عن النقص، فوجب أن يكون قادرًا عليه.
رابعًا: أن الله ﷾ أثبت لنفسه الملك والحمد؛ الملكَ بكونه على كل شيء قدير، والحمدَ بأنه عادل لا يظلم، فمن نفى قدرته على الظلم فقد نفى ملكه، وكذب بما أخبر به عن ذلك، كما أن من نفى عدله وأثبت قدرته فقد أثبت له حمدًا بلا ملك (^٢).
ومما يجب أن يُعلم أن أهل العلم قد نبَّهوا على مسألة مهمة، وهي أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق (^٣).
ومحل البحث فيما ظهر لي هو الصورة الثالثة من صور تفسير الظلم؛ لأن الظلم المنفي عن الله ﷾ هو - كما تقدم تفسيره - ثلاث صور:
الأولى: أن ينقص من حسنات العامل أو يزيد عليه من سيئات غيره.
الثانية: أن يعاقب من لم يذنب.
الثالثة: أن ينقص ثواب العمل.
وذلك أن المعنى المنفي في الصورتين الأولى والثانية واحد سواء أضيف إلى الخالق أو إلى المخلوق، لكن للخالق من ذلك ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠)، وشفاء العليل (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٣١٠ - ٣١١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأما الصورة الثالثة فالمعنى مختلف، لأن المخلوق إنما يكون ظالمًا للعامل إذا استوفى منه المنفعة ثم هضمه أجره، فالأمر بينهما معاوضة؛ عمل مقابل الأجرة، وأما بالنسبة لله ﷿ فالأمر مختلف، لأن إثابة المطيع فضل منه ﷾ وإحسان وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن الله ﷾ غني عن العباد وأعمالهم، فلو أطاعوه كلهم أو عصوه كلهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا ولم يزد.
وقد أخبر النبي ﷺ بأن الأعمال ليست عوضًا لدخول الجنة، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لن ينجي أحد منكم عمله)، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله، قال: (ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) (^١).
وأيضا فالله ﷾ هو الذي أقدر العامل عل العمل ووفقه له ودفع عنه موانعه، ثم مَنَّ عليه بعد ذلك بأن حفظ له العمل من الحبوط، فالفضل له ﷾ أولًا وآخرًا.
والحاصل أن الله ﷿ يقدر على الظلم، إلا أنه ﷾ لكمال عدله وإحسانه لا يفعله، والله أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٣)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٦٩) ح (٢٨١٦). ورواه كذلك البخاري في الموضع السابق (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٤)، ومسلم في الموضع السابق كذلك (٤/ ٢١٧١) ح (٢٨١٨) من حديث عائشة ﵂. ورواه مسلم أيضًا في الموضع السابق (٤/ ٢١٧٠) ح (٢٨١٧)، من حديث جابر ﵁.
[ ١ / ٣٧٣ ]