القدر - كما تقدم - باب من أبواب الدين التي يطلب العلم بها وجوبًا أو استحبابًا، وهو داخل في ضمن ما أُمرنا بتدبره وتفهمه، كما قال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
بل العلم به من أشرف العلوم وأجلِّها، لأن الإيمان به ركن من أركان الإيمان، ولأنه يسلك مسائل الدين كلها ولا انفكاك له عنها.
فإذا تبيَّنَت أهميته وتقرَّرت مشروعية البحث فيه؛ فلا بد إذن من وجود منهج يسلكه الباحث ليأمن غوائل الضلال فيه، وليجتنب ما يجرُّه إلى الخوض فيما نُهي عن الخوض فيه.
وهذه القاعدة هي لبيان هذا المنهج - أو لبيان الأهم فيه - وهي تركز على بيان مصدر التلقي والاستدلال، ووجوب الوقوف على النص وعدم تجاوزه.
ومعنى الكلام في القدر: أي البحث فيه ودراسته وبيان مسائله، ومحاججة الخصوم فيه؛ أي: تقريرًا وردًا.
وفي القدر: أي الجانب الظاهر منه الذي يجوز لنا البحث فيه؛ لا الجانب الخفي الذي نُهينا عن الخوض فيه.
نفيًا وإثباتًا: أي سواء كان الكلام في إثبات مسألة أو نفيها، فالإثبات محتاج إلى الدليل وكذا النفي.
وهذه الكلمة إنما هي للتأكيد على المراد، وإلا فواضح أن الإثبات والنفي هنا من نفس الباب؛ كلاهما متوقف على الدليل.
متوقف على الخبر عن الله ﷿ ورسوله ﷺ: أي لا تثبت مسألة
[ ١ / ٨٦ ]
من مسائله إلا بالدليل الصحيح من كتاب الله وسنة النبي ﷺ، فلا يَصلُح أن يستدل في هذا الباب - ولا في غيره من أبواب الدين - بالرأي المجرد والأهواء والظنون.
والدليل الصحيح يتضمن شيئين:
الأول: صحة الدليل من جهة النقل؛ فكما يُمنع الاستدلال بالرأي المجرد والهوى؛ فكذلك يُمنع الاستدلال بما لم يثبُت من الأحاديث.
الثاني: صحة الاستدلال، فلربما صح الدليل نقلًا، ولكن الاستدلال به غير صحيح.
ومن الآثار عن السلف في توقيف باب القدر:
- قول طاووس ﵀: "اجتنبوا الكلام في القدر؛ فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم" (^١).
فقوله ﵀: "اجتنبوا الكلام في القدر": أي الكلام بمجرد الرأي بلا علم، لأنه علل ذلك بعدُ بقوله: "فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم"، ومراده: لا تكونوا كالذين يتكلمون في القدر بظنون وأوهام، لأن الكلام فيه لا يجوز إلا بعلم.
- قول القاسم بن محمد ﵀ لما مرَّ بقوم يذكرون القدر -: "تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه، وكُفُّوا عما كّفَّ الله عنه" (^٢).
ومقصوده - والله أعلم - أن الواجب ألا يتكلم أحد في القدر من عنده،
_________________
(١) رواه ابن بطة (٢/ ٢١٤)، رقم (١٧٧٤).
(٢) رواه الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٦٧)، رقم (٨٠٢).
[ ١ / ٨٧ ]
بل يتبع في ذلك ما جاء في النصوص، وليس مراده النهي عن الكلام في القدر على الإطلاق، لأنه قال بعد ذلك: "تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه. . ."؛ والقدر مما ذكره الله في كتابه.
فالمقصود أن البحث في مسائل القدر موقوف على الدليل الشرعي، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والآراء، والله أعلم.
[ ١ / ٨٨ ]