هذه القاعدة تقرِّر مراتب القدر، ووجوب الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر.
ولها ارتباط وثيق كذلك بإثبات صفات الله ﷾؛ إذ مبنى هذه المراتب على صفات الله سبحانه: العلم والكتابة والمشيئة والخلق وغيرها.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "القدر قدرة الله ﷿ على العباد" (^١).
وقال زيد بن أسلم ﵀: "القدر قدرة الله ﷿، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ﷿" (^٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر يتعلق بقدرة الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله تعالى. يشير إلى أن من أنكر القدر؛ فقد أنكر قدرة الله تعالى، وأنه يتضمن إثبات قدرة الله تعالى على كل شيء" (^٣).
وقال ابن القيم ﵀: "وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابنُ عَقِيل (^٤) هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين.
_________________
(١) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٤٤).
(٢) رواه الفريابي في القدر (١٤٤) رقم (٢٠٧).
(٣) منهاج السنة (٣/ ٢٥٤).
(٤) هو شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، ولد (٤٣١ هـ)، اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، ثم تاب منه، من كتبه: "الفنون" وهو في أربعمئة جزء، و"الجدل على طريقة الفقهاء"، مات سنة (٥١٣ هـ). انظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٤٨٢)، وذيله (١/ ٣١٦)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣).
[ ١ / ١٠٨ ]
وهو كما قال أيو الوفاء؛ فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها" (^١).
وقال ﵀ معرِّفًا القدر: "فإنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئته" (^٢).
وفيما يأتي شرح مجمل للمراتب الأربع:
مرتبة العلم: وهي "الإيمان بعلم الله ﷿ المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب" (^٣).
وهذه المرتبة اتفق عليها رسل الله ﷾ وكذا الصحابة والتابعون لهم بإحسان من هذه الأمة وأول من خالفهم فيها مجوس هذه الأمة (^٤)؛ وهم القدرية الأوائل الذين خرجوا في أواخر عهد الصحابة ﵃، فتبرأ منهم الصحابة
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٣٠).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٣٣).
(٣) معارج القبول (٣/ ١٠٨٦ - ١٠٨٧).
(٤) انظر: شفاء العليل (١/ ١٣٣).
[ ١ / ١٠٩ ]
وردوا بدعتهم وأعظموا الشناعة عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك (^١).
والمراتب الثلاثة الأخرى تدل على هذه المرتبة؛ فكتابة الله ﷾ للمقادير لم تكن ولا تكون إلا عن علم بما سيُكتب (^٢)، وكذلك مشيئته ﷿ إنما تكون بعد علمه تعالى بهذا الذي سيشاؤه، وكذا خلقه ﷾ إنما يحصل بعد العلم بما سيخلق.
قال ابن أبي العز ﵀: "فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم؛ لا يُتصور إيجادها إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] " (^٣).
مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله ﷾ قد كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، فما من شيء صغير ولا كبير إلا وقد سُطِر في أم الكتاب.
وهذا شامل لما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها؛ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي) (^٤) (^٥).
_________________
(١) انظر ما يأتي ص (١٢٤ و١٥٧).
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١٣٣).
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٣).
(٤) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٤/ ١٠٤) ح (٣١٩١)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).
(٥) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧٠).
[ ١ / ١١٠ ]
ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير أربعة تقادير (^١):
الأول: التقدير الأزلي قبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلم؛ وكُتب حينذاك كل شيء كائن على وجه التفصيل حتى تقوم الساعة.
وهذا التقدير أول التقادير وأقدمها، وهو الأصل وما بعده تفصيل منه، وهو كذلك لا يتغير ولا يتبدل. ومن أدلته:
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
وقوله ﷾: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].
وقوله ﷾: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
حديث عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم)، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم)، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض)، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها (^٢).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٥٥ - ١١٥)، ومعارج القبول (٣/ ١٠٩٥ - ١١٠٨).
(٢) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٤/ ١٠٦) ح (٣١٩١).
[ ١ / ١١١ ]
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء) (^١).
حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (^٢).
الثاني: التقدير حين أخذ الميثاق؛ وفيه قدر الله ﷾ أعمال بني آدم، وأرزاقهم وآجالهم، وسعادتهم وشقاوتهم، عقيب خلق أبيهم، ومما يدل عليه:
قوله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵊ بنعْمَان (^٣) - يعني بعرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبلًا؛ وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٤) ح (٢٦٥٣).
(٢) تقدم تخريجه ص (٣٧).
(٣) نَعْمان: كسَحْبان؛ واد وراء عرفة، بين مكة والطائف يصب في ودان، وقيل: لهذيل على ليلتين من عرفات وهو نعمان الأراك. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٩٣)، والنهاية (٥/ ٨٥).
[ ١ / ١١٢ ]
قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾) (^١).
وعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال "خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم" (^٢).
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك) (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ٢٦٨) ح (٢٤٥٦)، وابن أبي عاصم (١/ ١٥٩) ح (٢٠٨)، والحاكم (٢/ ٥٤٤) كلهم من طريق: الحسين بن محمد المروذي، حدثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مرفوعًا، وصححه الحاكم ووافقه عليه الذهبي، والألباني في الصحيحة ح (١٦٢٣). وقد قال الشيخ صالح المقبلي في "الأبحاث المسددة": "ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك". انظر: الصحيحة (٤/ ١٥٩).
(٢) رواه الفريابي (٦٧) رقم (٥٧)، وابن جرير (١/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٣)، وابن بطة (١/ ٣١٩) رقم (١٣٤١) و(٢/ ١٦٤) رقم (١٦٣٤) من طرقٍ عن المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، وهذا إسناد حسن لحال المسعودي؛ فإنه صدوق، ولا يضر اختلاطه؛ لأن ممن روى هذا الحديث عنه: وكيع ويحيى بن سعيد القطان، وقد سمعا منه قبل الاختلاط. انظر: التهذيب (٦/ ٢١٠).
(٣) رواه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤/ ١٣٣) ح (٣٣٣٤)، ومسلم: كتاب صفة القيامة =
[ ١ / ١١٣ ]
حديث هشام بن حكيم ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنبتديء الأعمال أو قد قُضي القضاء؟ فقال رسول الله ﷺ: (إن الله ﵎ أخذ ذرية آدم من ظهره، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم نَثَرهم في كفَّيْه أو كفِّه فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار؛ فأما أهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار) (^١).
قال ابن القيم ﵀ بعد أن ساق جملة من الآثار في هذا: "فهذه الآثار وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدَّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم" (^٢).
الثالث: التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها، والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة، والرزق وجميع ما
_________________
(١) = والجنة والنار، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا (٤/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).
(٢) رواه ابن أبي عاصم (١/ ١٣٧) ح (١٧٤)، والطبراني (٢٢/ ١٦٩) ح (٤٣٥)، والبزار (كشف الأستار) (٣/ ٢٠) ح (٢١٤٠). كلهم من طريق بقية بن الوليد، حدثني الزبيدي، حدثني راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، عن أبيه، عن هشام بن حكيم به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٨٧): "رواه البزار والطبراني، وفيه بقية بن الوليد وهو ضعيف ويحسن حديثه بكثرة الشواهد، وإسناد الطبراني حسن". قلت: ضعف بقية إنما هو لتدليسه وقد صرح بالتحديث في شيخه وشيخ شيخه، وباقي رجاله ثقات. ثم إن بقية قد توبع وذلك فيما رواه الطبراني أيضًا (٢٢/ ١٦٨) ح (٤٣٤) من طريق معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد به؛ بإسقاط قتادة السلمي بين عبد الرحمن وهشام، والحديث صححه الألباني في ظلال الجنة ح (١٦٨).
(٣) شفاء العليل (١/ ٧٨).
[ ١ / ١١٤ ]
هو لاق، ويدل عليه:
حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات؛ ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (^١).
حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (^٢).
عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود؛ فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٤/ ١١١) ح (٣٢٠٨)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٦) ح (٢٦٤٣).
(٢) رواه البخاري: كتاب القدر (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٨) ح (٢٦٤٦).
[ ١ / ١١٥ ]
ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص) (^١).
الرابع: التقدير السَّنَوي في ليلة القدر؛ يُقدَّر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله، من رزق وموت وحياة وصحة ومرض وعافية وابتلاء ونحو ذلك، ويدل عليه:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
عن مجاهد ﵀: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: "ليلة الحكم" (^٢).
وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: "يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم" (^٣).
وعن قتادة في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: "يقضى فيها ما يكون في السنة
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٧) ح (٢٦٤٥).
(٢) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٤).
(٣) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٤).
[ ١ / ١١٦ ]
إلى مثلها" (^١).
وقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣ - ٥].
عن ابن عباس ﵄ قال: "إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يعني: ليلة القدر، ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل" (^٢).
عن قتادة ﵀ قال: "هي ليلة القدر، فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة" (^٣).
وعن ربيعة بن كُلثوم ﵀ (^٤)، قال: "قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لَلَيلة يفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كل أجل وعمل وخلق ورزق إلى مثلها" (^٥).
وقد ذكر الإمام ابن القيم - وتبعه على ذلك حافظ الحكمي - رحمهما الله -
_________________
(١) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٧).
(٢) رواه البيهقي في الشعب (٥/ ٢٥٤) ح (٣٣٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٤٨) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(٣) رواه ابن جرير (٢١/ ٩).
(٤) هو: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري. انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٤٧٧)، وتهذيب التهذيب (١/ ٦٠٠).
(٥) رواه ابن جرير (٢١/ ٧).
[ ١ / ١١٧ ]
تقديرًا خامسًا وهو:
التقدير اليومي؛ وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق، وإنفاذ المقدور على العبد في وقته الذي قُدِّر له، وذكر من أدلته:
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: (من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويخفض آخرين) (^١).
_________________
(١) رواه ابن ماجه: المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ١٩٨) ح (٢٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ٢١٥) ح (٣٠٨) كلاهما عن هشام بن عمار، حدثنا الوزير بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ به، وفيه علتان: الأولى: هشام متكلم فيه، لكنه قد توبع؛ تابعه صفوان بن صالح الدمشقي؛ فرواه عن الوزير بن صبيح به، كما عند ابن عساكر (٥٢/ ٣٣٤)، وتابعه أيضًا: الوليد بن شجاع كما عند ابن عساكر أيضًا (٦٣/ ٣٢). الثانية: ضعف وزير بن صبيح. قال دُحيم: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٧)، وقال الحافظ في التقريب ص (١٠٣٦): مقبول. أي حيث يتابع، وقد توبع؛ تابعه إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به كما عند ابن عساكر (٦٤/ ٦٠) قال الألباني في الظلال (١/ ١٣٠): "رجاله ثقات لكنه مرسل"، وكما عند البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٦١) ح (١٠٦٧) لكن في إسناده هشام بن يحيى الغساني، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة. انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٧٣) فلا يصلح للمتابعة. والحديث حسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٩٣)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣٠١).
[ ١ / ١١٨ ]
قال البغوي ﵀ في هذه الآية: "قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قومًا، ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء" (^١).
ونقل عن الحسين بن الفضل ﵀ (^٢) قوله فيها: "هو سوق المقادير إلى المواقيت" (^٣).
وعن سفيان بن عيينة قوله: "الدهر كله عند الله يومان؛ أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم - الذي هو مدة الدنيا -: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب" (^٤).
والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه هذا التقدير لا يدخل فيما نحن بصدده من تقديرات الكتابة، إذ لا كتابة فيه، وإنما هو إنفاذ لما قُدر سابقًا - كما ذُكر في تعريفه -.
ثم إن هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، والسَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة ومن الأزلي، والعمري تفصيل من
_________________
(١) تفسير البغوي (٧/ ٤٤٦).
(٢) هو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر عالم عصره، ولد قبل (١٨٠ هـ)، مات بنيسابور سنة (٢٨٢ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤١٤)، وطبقات المفسرين للسيوطي (٤٨).
(٣) المصدر السابق (٧/ ٤٤٧).
(٤) المصدر السابق (٧/ ٤٤٦)
[ ١ / ١١٩ ]
التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في اللوح المحفوظ (^١).
وليس معنى كون كل تقدير تفصيلًا مما قبله أن ما قبله مجمل، بل المراد أنه تخصيص من عموم أعم، فاللوح المحفوظ كُتب فيه كل شيء صغير وكبير، فهو شامل لكل ما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها (^٢).
والتقدير العمري الأول عند أخذ الميثاق هو تخصيص منه، والمخصوص به هم بنو آدم كلهم.
والتقدير العمري عند تخليق النطفة هو تخصيص من التقدير العمري الأول، والمخصوص به أفراد بني آدم كل فرد بعينه على حِدَة.
والتقدير السَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، فيما يتعلق بكل شخص؛ إذ يقدر له في التقدير العمري رزقه وعمله وأجله وسعادته وشقاوته مدة حياته، وفي التقدير السَّنَوي يقدر له ما يكون في تلك السنة بخصوصها.
وهو أيضًا - أي السَّنَوي - تفصيل من اللوح المحفوظ فيما يتعلق بعموم الحوادث في السنة المعيَّنة؛ ما تعلق منها ببني آدم أو غيرهم.
والتقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، يخصص منه ما يتعلق بهذا اليوم بخصوصه من بين أيام السنة.
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ١١٣ - ١١٤).
(٢) انظر ما تقدم ص (١١٠).
[ ١ / ١٢٠ ]
وليس معنى كون أي تقدير تفصيلًا لما قبله أنه كُتب ونُسخ منه، بل المراد أنه أخص منه؛ إما من جهة متعَلَّقه، أو من جهة زمانه، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والتقدير والكتابة تكون تفصيلًا بعد جملة" (^١).
وقال ﵀: "وهذا التقدير - التابع لعلمه سبحانه - يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا؛ فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك" (^٢).
مرتبة المشيئة: وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء، وهذا هو عمود التوحيد الذي لا يقوم إلا به (^٣).
وقد دل على هذه المرتبة إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان، وأجمع عليها المسلمون من أولهم إلى آخرهم.
وقد تنوعت أدلة القرآن على إثبات هذه المرتبة، وهي متضمنة لأمرين:
- الأول: أن ما وقع إنما وقع بمشيئته ﷾.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٨٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٤٩).
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧١)، ومدارج السالكين (٣/ ١٠٥)، ودرء التعارض (١٠/ ١١٥).
[ ١ / ١٢١ ]
- الثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ﷾.
وهذه هي حقيقة الربوبية؛ فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته وتكوينه وحده لا شريك له (^١).
ومما يدخل في هذه المرتبة: الإيمان بقدرة الله ﷾ الشاملة، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما شاء الله كونه فهو كائن بقدرته ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وما لم يشأ كونه فليس لعدم قدرته عليه؛ بل لعدم مشيئته لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
فأخبر أن هداية كل نفس أمر مقدور له، لكنه لم يرده، معللًا ﷾ بذلك عدم وقوعه.
مرتبة الخلق: وهي الإيمان بأن الله ﷾ خالق كل شيء؛ فما من مخلوق في السموات والأرض إلا الله خالقه، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه (^٢).
وهذه المرتبة متفق عليها بين الرسل ﵈، واتفقت عليها الكتب الإلهية
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ١٦٣).
(٢) انظر: معارج القبول (٣/ ١١٠٨).
[ ١ / ١٢٢ ]
والفطر والعقول والاعتبار (^١).
وسيأتي في مباحث الرسالة - إن شاء الله - الكلام على المسائل المندرجة تحت هذه المراتب، وإنما المقصود هنا هو بيان هذه المراتب إجمالًا.
وأما عن وجوب الإيمان بهذه المراتب لتحقيق الإيمان بالقدر؛ فكما تقدم: لم يرد هذا التقسيم في نص من النصوص الشرعية لا قرآنًا ولا سنةً، وإنما عرفه أهل العلم بالتتبع والاستقراء، والناظر في هذه المراتب وأدلتها يدرك قطعًا وجوبها لأمرين:
الأول: أن هذه المراتب هي في الحقيقة صفات لله ﷿، فالعلم والكتابة والمشيئة والخلق والقدرة، كلها صفات لله سبحانه، والإيمان بصفاته ﷾ واجب؛ لا ينازع أحد في ذلك.
الثاني: أن مسائل القدر كلها مندرجة تحت هذه المراتب.
فالخلاصة أن للقدر أربع مراتب هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأنه لا بد من الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر، وبالله التوفيق.
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٩٣).
[ ١ / ١٢٣ ]