سبق الكلام على مرتبة العلم بصورة مجملة، وسيكون الكلام فيه في هذه القاعدة مفصلًا من حيث شموله لكل شيء.
والعلم صفة من الصفات الذاتية الفعلية لله ﷿، وهي من الصفات المعنوية المعلومة بالعقل، وتتعلق بكل معلوم على التفصيل (^١)، ومن أسمائه ﷿ العليم.
وعلم الله ﷾ علم كامل يليق بكمال الله ﷿، علم لم يُسبق بجهالة، ولا يلحقه نسيان، ولا يعتريه نقص بحال من الأحوال.
وشمول علم الله ﷿ يمكن ترتيبه في أمور:
الأول: شمول علمه ﷾ لما يتعلق به ﷿: فأسماء الرب وصفاته، وكذا ذاته؛ معلومة له.
قال شيخ الإسلام ﵀: "اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "فذات الرب سبحانه وصفاته وأسماؤه معلومة له" (^٣).
وقال السفاريني ﵀: "فهو شامل لجميع المتصورات؛ سواء كانت واجبة كذاته وصفاته. . ." (^٤).
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة (٤/ ١٢١٩).
(٢) درء التعارض (١٠/ ١١٧).
(٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٠).
(٤) لوامع الأنوار (١/ ١٥٧).
[ ١ / ١٤٥ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "معلومه يدخل فيه علمه بذاته وبصفاته، وبما سوى ذلك" (^١).
وقال أيضًا: "فعلم الله تعالى واسع شامل محيط لا يستثنى منه شيء، فأما علمه بالواجب، فكعلمه بنفسه وبما له من الصفات الكاملة. . ." (^٢).
الثاني: شمول علم الله ﷾ لما كان في الماضي: ومعناه أن الله ﷿ قد علم ما كان في الماضي من دقيق الأمور وجليلها، فلم تخف عليه منها خافية، سواء فيما يتعلق بهذا العالم وما جَرَى فيه، أو ما سبقه مما لا يعلمه إلا الله، وسواءٌ ما يتعلق بنفسه ﷾، أو ما يتعلق بمخلوقاته.
ويدل على ذلك قوله ﷾ في قصة موسى ﵇ مع فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢].
فقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ هو جواب من موسى ﵇ لفرعون لما احتج عليه بشرك الأمم الماضية، أي: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم به.
وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا؛ فأثبت له كمال العلم وإحاطته بكل شيء ابتداءً، ثم نفى عنه النقص والنسيان؛ فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنَزَّه نفسه عن ذلك (^٣).
_________________
(١) فتاوى ابن عثيمين (٨/ ١٣٩).
(٢) المصدر السابق (٨/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٩/ ٣٤٤).
[ ١ / ١٤٦ ]
الثالث: شمول علم الله ﷾ لما سيكون في المستقبل: ومعناه أن الله ﷿ علم علمًا أزليًّا بما سيقع فيما سيأتي من أزمان؛ سواء فيما يتعلق بالدنيا وما تصير إليه، وما يقع فيها من أمور إلى حين انقضائها وزوالها، أو ما يتعلق بالآخرة، إلى ما لا نهاية له.
وسواءٌ في كل ذلك ما يتعلق بنفسه ﷾، أو ما يتعلق بمخلوقاته.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢].
يعني: إلا في أم الكتاب (^١).
فأخبر ﷾ أن كتابته للمصيبة سابقة لوقوعها، والكتابة لا تكون إلا عن علم، فدل على أن علمه بها متقدم على وقوعها.
ويدل عليه كذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (^٢).
وكل دليل على تقدُّم الكتابة فهو دليل على العلم السابق بما سيكون - لأن الكتابة لا تكون إلا عن علم كما تقدم آنفًا -، سواء كانت الكتابة الأزلية أو غيرها، مع كون الكتابة الأولى كافية في الدلالة على ذلك لأن ما بعدها تفصيل منها (^٣).
ومما يدل عليه الآيات والأحاديث التي جاءت في وصف المغيبات
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٤١٨).
(٢) تقدم تخريجه ص (١١٢).
(٣) انظر: ما تقدم ص (١١٠).
[ ١ / ١٤٧ ]
المتعلِّقَة بيوم القيامة، وما يتبع ذلك من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ونحو ذلك، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُم رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨].
وحديث ابن مسعود ﵁ في قصة آخر من يدخل الجنة (^١)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ في قصة صاحب البطاقة (^٢).
وكذا النصوص التي جاءت في وصف ما سيكون من الفتن وأشراط الساعة؛ كخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ونحو ذلك (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا (١/ ١٧٤) ح (٣١٠).
(٢) رواه الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٤/ ٣٧٩) ح (٢٦٣٩)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٥/ ٦٧٠) ح (٤٢٩٩) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو ﵄، وهذا إسناد صحيح، وصححه الحاكم (١/ ٦) وقال: "على شرط مسلم"، والألباني في الصحيحة ح (١٣٥).
(٣) قال شيخ الإسلام ﵀ جامع الرسائل (١/ ١٨٣): "فأما إثبات علمه وتقديره للحوادث قبل كونها ففي القرآن والحديث والآثار ما لا يكاد يحصر بل كل ما أخبر الله به قبل كونه =
[ ١ / ١٤٨ ]
الرابع: شمول علم الله ﷾ لما لا يقع: ويدخل فيه الجائز الذي علم الله أنه لا يقع، والممتنع.
فمن أدلة الأول:
قوله ﷾ عن أهل النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
فأخبر ﷾ عن علمه بهؤلاء الكفار بأنه لو ردهم إلى دار التكليف مرة أخرى ليستدركوا ما فاتهم من الإيمان والعمل؛ أنهم لا يؤمنون، بل يرجعون إلى سالف عهدهم من الكفر والمخالفة (^١)، مع أن رجوعهم إلى دار الدنيا أمر قد أخبر ﷾ بأنه لا يقع، كما في قوله ﷾: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].
وكذا قوله عن المشركين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
أي: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله ﷿ حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فلن يؤمنوا، ثم أخبر ﷾ أنه لو أفهمهم ذلك لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان به، معاندون للحق بعد العلم به (^٢).
_________________
(١) = فقد علمه قبل كونه".
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٠).
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٤٦٣)، وانظر كذلك: شرح الطحاوية (١/ ١٣٢).
[ ١ / ١٤٩ ]
ومن أدلة الثاني:
قوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
أخبر جل وعلا عن علمه بما ينتج عن هذا الأمر المستحيل فيما لو وقع، وهو فساد أهل السماوات والأرض (^١)، مع كونه ﷾ قد أخبر عن استحالة وقوعه، بإخباره سبحانه بتفرده بالإلهية وانتفاء الشريك معه، كما قال ﷿: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].
وقوله ﷾: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
أي: لو كان مع الله ﷾ آلهة كما يزعمه المشركون؛ - وهذا ممتنع غير واقع - إذن لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى إليه (^٢).
الخامس: شمول علم الله ﷾ للجُزئيَّات (^٣): ومعناه أن علم الله ﷿ لا يقتصر على كليات الأمور؛ بل هو شامل للتفصيلات والدقائق أيضًا، فما من أمر عظيم ولا حقير، كبير ولا صغير؛ إلا والله يعلمه، ويعلم أدق تفصيلاته في ذاته وصفاته وأحواله، وجميع ما يتعلق به.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٢٤٦).
(٢) انظر: المصدر السابق (١٤/ ٦٠٣).
(٣) الجُزْئِي: ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة كزيد، وبإزائه الكُّلِّيّ، وهو: ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان، انظر: التعريفات للجرجاني (٧٩ و١٩٥)، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا (١/ ٤٠٠) و(٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ١٥٠ ]
ويدل على ذلك: النصوص التي أخبرت بعموم علمه بالأشياء، وهذا العموم يقتضي علمه بالجزئيات، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ويدل عليه كذلك: النصوص الواردة في كتابة المقادير؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته؛ كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجُزئية المعيَّنة، فتقدير الله يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات (^١).
ومما يدل على علمه بالجزئيات: خلقه ﷾ للأشياء، فإن الخلق يستلزم علمه بتفاصيل المخلوق.
قال ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩].
فأتبع ﷾ احتجاجه بالنشأة الأولى على قدرته على الإعادة بإخباره بشمول علمه لأن الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ عقِب ذلك فيه فائدة أخرى؛ وهي
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٩).
[ ١ / ١٥١ ]
إخباره بعلمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال (^١)، فبعلمه بتفاصيلها مع قدرته ﷾ يعيدها مرة أخرى.
قال السعدي ﵀: "وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي على (^٢) ثبوت علمه؛ وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته" (^٣).
وقال ﷾: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق:
أحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق.
والثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وخفيها، ثم يقال: اللطيف الخبير عِلمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته - كما تقدم - فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة" (^٤).
ومما يدل على ذلك أيضًا أن الله سبحانه سمى ووصف نفسه بما يدل على علمه بتفاصيل الأمور وخفاياها وخباياها.
ومن ذلك: تسميته نفسه باسم الخبير واللطيف، ووصفه نفسه بما
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ٣٣).
(٢) في المطبوع "إلى" وهو خطأ.
(٣) تفسير السعدي (١/ ٤٩٧).
(٤) درء التعارض (١٠/ ١١٧)، وانظر: (١٠/ ٥٤) منه.
[ ١ / ١٥٢ ]
تضمناهما من المعاني وهي اللُّطف والخبرة.
ومعنى الخبير: "العالم بكُنْه الشيء، المطَّلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] " (^١).
والخبير بمعنى العليم، لكن إذا أضيف العلم إلى الأمور الباطنة الخفية سُمِّي خبرة، وسمي صاحبه خبيرًا (^٢).
وقد يقرن الله ﷿ بينه وبين اسم "العليم"، كما في قوله ﷾: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. فحينئذ يكون المعنى: "الذي أحاط علمُه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء" (^٣).
وأما اللطيف فله معنيان:
أحدهما: ما نحن بصدده؛ وهو الذي لا تخفى عليه خافية، بل أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، وهو بمعنى الخبير.
الثاني: اللطيف بعباده المؤمنين، الذي يوصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق خفية عنهم لا يشعرون بها، وهو بمعنى الرؤوف (^٤).
_________________
(١) شأن الدعاء (٦٣).
(٢) المقصد الأسنى (٧٦).
(٣) تفسير السعدي (١/ ٢٤).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٦).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال العلامة ابن القيم ﵀ (^١):
وهو اللطيف بعبده ولعبده … واللُّطْف في أوصافه نوعانِ
إدراك أسرار الأمور بخبرةٍ … واللُّطْف عند مواقع الإحسانِ
فيُريك عزَّته ويُبدي لُطْفَه … والعبد في الغَفَلات عن ذا الشانِ
ويقرن الله ﷾ بينه وبين الخبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ومعناه عندئذ: "الذي لطف علمه بما في القلوب؛ الخبير بما تُسِره وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية" (^٢).
ومن الأدلة على علمه ﷾ بالجزئيات: إخباره ﷾ في مواطن كثيرة من كتابه بتفاصيل الأمور المعيَّنة، كإخباره عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما آل إليه حالهم.
ومن الأدلة أيضًا: أنه لو لم يكن عالمًا بها لكان جاهلًا، والجهل نقص يتنَزَّه الله عنه، فوجب أن يكون عالما بها (^٣).
ومن الأدلة أيضًا: أن نفيَ علم الله ﷾ بالجزئيات نفيٌ لعلمه بالأشياء؛ لأن الكليات لا وجود لها خارج الذهن؛ وإنما الموجود خارج الذهن: الجزئياتُ المعيَّنة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن لم يعلم المعيَّنات لم يعلم شيئًا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم
_________________
(١) النونية (١٧٩) رقم (٣٣٠٠ - ٣٣٠٢).
(٢) فتح القدير (٥/ ٣٤٨).
(٣) بيان التلبيس (٥/ ٣٩)، وانظر لهذا المسلك في الاستدلال على صفات الكمال: التدمرية (١٥١).
[ ١ / ١٥٤ ]
يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات" (^١).
ومن الأدلة أيضًا: أن من المخلوقات من يعلم بعض الجزئيات، والعلم بها صفة كمال؛ فوجب أن يكون الله سبحانه عالمًا بها، لأن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه، لأمرين:
الأول: أنه ﷾ أكمل من المخلوق، فيمتنع أن يوصف المخلوق بكمال ويكون الرب ﷿ عاريًا عنه؛ لأنه الأكمل.
الثاني: لأنه هو الذي أعطى المخلوق ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفًا به (^٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "بل مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك" (^٣).
وإذا ثبت علمه ببعض الجزئيات؛ ثبت علمه بها كلها؛ إذ لا فرق بين جزئية وأخرى، ولأنه لم يقل أحد من الناس أنه يعلم بعض الجزئيات دون بعض، فهم إما مثبتون لعلمه بها كلها، وإما نافون. والله أعلم.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في بيان شمول علم الله ﷾ (^٤):
وهو العليم بما يُوسوِس عبدُه … في نفسه من غير نطق لسانِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٩٥)، وانظر: (١١/ ٢٢٧) منه، ودرء التعارض (٥/ ١١٣) و(١٠/ ١٦٦)، وشفاء العليل (٢/ ٥٢٨).
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ٣٠)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٣٥٧)، وشرح الأصبهانية (٣٩٦ - ٣٩٧).
(٣) درء التعارض (١٠/ ١٧٣).
(٤) النونية (٤٤) رقم (٥٢٦ - ٥٢٩).
[ ١ / ١٥٥ ]
بل يستوي في علمه الداني مع الـ …
_________________
(١) قاصي وذو الإسرار والإعلانِ وهو العليم بما يكون غدًا وما … قد كان والمعلوم في ذا الآنِ وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ … ـف يكون موجودًا لدى الأعيانِ والحاصل أن علم الله ﷾ شامل لكل شيء على وجه التفصيل، ولا يخرج عنه شيء، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٦ ]