مقصود هذه القاعدة بيان العلاقة بين العلم السابق وعلم الظُّهور، وأن ثبوت علم الظُّهور لله ﷾ لا ينافي علمه السابق.
وقد تقدمت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على إثبات علم الله ﷾ السابق، وأنه متعلق بكل شيء، كما تقدم كذلك تعريف علم الظُّهور (^١).
والعلم بصفة عامة ينقسم إلى قسمين:
- علم سابق على وقوع الشيء: وهو العلم بأنه سيكون، سواء كان أزليًّا كعلم الله ﷾، أو حادثًا كعلم المخلوق بما علَّمه ربه ﵎.
- وعلم لاحق: وهو الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده (^٢).
والفرق بينهما أن العلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، ولا أي أثر من الآثار التي تقوم عليها الأحكام الشرعية؛ فلا يعاقب اللهُ ﷾ لفضله وعدله الإنسانَ على مخالفةٍ علمها منه في الأزل - مع أنها ستقع منه حتمًا -، بل تتوقف المؤاخذة على وقوع مقتضيها في الشاهد، وكذا سائر الآثار المترتبة على المؤاخذة، كفراق الزوجة أو رد الشهادة ونحو ذلك، وكذا لا يثيبه إلا على ما وقع منه من الحسنات، وما تبعها من آثار إن كانت متعدية، كالصدقة الجارية.
وأما علم الظُّهور، فهو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب وجميع الآثار
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٧٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).
[ ١ / ١٧٨ ]
المترتبة عليهما.
وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة هو في مسألتين:
الأولى: في إثبات علم الظُّهور وأنه غير العلم السابق.
الثانية: في أن علم الظُّهور لا يقدح في العلم السابق.
أما الأولى: فهي مسألة كبيرة دقيقة (^١)، وهي مبنية على مسألة أخرى في باب الصفات، وهي: هل هذا العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي؟ أم أنه نسبة عدمية وإضافة فقط بين العلم السابق والمعلوم؟
والذي عليه عامة السلف وأئمة السنة والحديث أنه أمر ثبوتي كما دل عليه النص؛ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فقد أخبر بحصول الرؤية بعد وقوع المرئي (^٢).
ومعنى هذا الأمر الثبوتي هنا: علم الله بكون الشيء ووجوده - وقت كَونه -، وهذا غير العلم بأنه سيكون - قبل كونه - (^٣)، فإذا ثبت وجود أمر ثبوتي هو غير العلم القديم؛ لم يعد هناك ما يُشْكل في إثبات علم الظُّهور.
يوضحه: أن الله ﷾ لم يخبر بعلمه له بعد وجوده فحسب؛ بل أخبر سبحانه في مواطن كثيرة بأنه يراه بعد وجوده؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وكذا أخبر بأنه يسمعه بعد وقوعه؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٥ و٣٩٧).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٩٦).
[ ١ / ١٧٩ ]
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآية" (^١).
ومعلوم قطعًا أن السمع والبصر إنما يتعلقان بالموجود بعد وجوده، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم (^٢)، وإخباره ﷾ عن رؤيته وسماعه إخبار عن العلم به كذلك، ولهذا كان ابن عباس ﵄ يفسرها بالرؤية فيقول: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ففسر [أي ابن عباس] العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علمًا آخر" (^٣).
وهذا كما لا يخفى تفسير باللازم، فرؤية الشيء بعد وجوده، وكذا سماعه بعد وقوعه من لازمها العلم به، فيلزم من الرؤية والسماع العلم بالمرئي
_________________
(١) رواه النسائي: كتاب الطلاق، باب الظهار (٦/ ٤٨٠) ح (٣٤٦٠)، وابن ماجه: كتاب الطلاق، باب الظهار (٣/ ٤٥٧) ح (٢٠٦٣)، كلاهما من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة ﵂، وعلقه البخاري مجزومًا به عن الأعمش في: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٩/ ١١٧)، والحديث صححه ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ٣٣٩)، والألباني في ظلال الجنة ح (٦٢٥).
(٢) انظر: الرد على المنطقيين (٤٦٥).
(٣) درء التعارض (١٠/ ١٧٤).
[ ١ / ١٨٠ ]
والمسموع، ولا يلزم من العلم بالشيء رؤيته وسماعه؛ لأن الرؤية والسماع إنما يتعلقان بالموجود، والعلم أعم منهما؛ فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود (^١).
فالشاهد أنه ﷾ أخبر بحصول الرؤية والسماع بعد الوقوع؛ فيلزم منه حصول علم به بعد الوقوع هو غير العلم السابق.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن في تفسير: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ خمسة أقوال (^٢):
الأول: إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي؛ على عادة العرب في إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فُعل بهم إليه، وهو اختيار ابن جرير ﵀.
الثاني: إلا لنميز أهل اليقين.
الثالث: إلا لنرى. وهذا والذي قبله رويا عن ابن عباس ﵄.
الرابع: إلا لنبين لكم أنا نعلم.
الخامس: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جهالًا به قبل أن يكون، فأضاف العلم إلى نفسه، على وجه الترفق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته.
والأقوال: الثاني والثالث والرابع متقاربة؛ إذ مرجعهما إلى إظهار العلم السابق بالشيء (^٣)، وكذا الأول والخامس مرجعهما إلى تأويله بعلم العباد.
فيتحصل من هذه الأقوال الخمسة قولان:
- أن المراد بذلك علم الظهور والوقوع، وهو اختيار ابن كثير ﵀ (^٤).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (١٠/ ٤٩٣)، وتفسير الطبري (٢/ ٦٤٤).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٦٤١ - ٦٤٥)، وزاد المسير (١/ ١٥٥).
(٣) انظر: زاد المسير (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير (١٠/ ٤٩٣) و(١١/ ٢٨١) و(١٣/ ٨٠).
[ ١ / ١٨١ ]
- أن المراد به علم العباد.
ولا تنافي بينهما؛ إذ بوقوع المعلوم يعلمه الله سبحانه موجودًا، علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويعلمه العباد أيضًا بعد أن لم يكونوا عالمين به، فيجتمع فيه الأمران، والله أعلم.
ومما يوضح هذا أيضًا: شمول علم الله ﷾ للموجود والمعدوم، مع إجماع العقلاء قاطبة على الفرق بينهما، فهذا الشيء المعيَّن الذي كان معدومًا ثم وجد؛ لا شك أن تعلق علم الله ﷾ به معدومًا غير تعلقه به موجودًا، مع التنبيه على أن تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله سواء؛ فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع (^١).
وأما الثانية: - وهي محور القاعدة -، فيدل عليها أمور:
الأول: أن الله ﷿ هو الذي أخبر بثبوت علم الظُّهور مع إثباته ﷾ للعلم السابق، فلو كان قادحًا فيه لكان كلام الله متناقضًا، والله سبحانه منَزَّه عن ذلك.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعًا في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله" (^٢).
الثاني: أن علم الله ﷿ ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه
_________________
(١) تفسير القرآن، سورة الكهف لابن عثيمين (٢٤).
(٢) الرد على المنطقيين (٤٦٥).
[ ١ / ١٨٢ ]
﷾ يخبر بحصول علم له بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومن كمال علمه سبحانه: علمه بالشيء قبل وجوده، وعلمه به بعد وجوده، قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوده، ثم لما خلقه علمه كائنًا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون؛ فهذا هو الكمال" (^١).
الثالث: أن علم الله ﷿ هو علم بالشيء على ما هو عليه، فإذا علم الله ﷾ وقوع شيء على صفة ما؛ كأن يعلم أن زيدًا يقتل عمرًا بسيف؛ فلا بد أن يقع معلومه، بأن يَقتل زيدٌ عمرًا، على الصفة نفسها وبالسيف نفسه، ولا يمكن ألا يُقتل عمرو، أو أن يُقتل بسكين مثلًا.
فالقتل - على هذه الصفة - برز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بأن صار واقعًا بعد أن كان مقدرًا.
وبعلمه سبحانه به بعد وقوعه، لم يحصل له علم لم يكن موجودًا، وإنما هو العلم السابق، مع علم آخر هو علم بوقوع القتل في الوجود وخروجه إلى عالم الشهادة بعد أن كان مقدَّرًا، يوضحه:
الرابع: أن متعَلَّق العِلْمين مختلف، فالعلم السابق يتعلق بالمقدَّر، وعلم الظهور يتعلق بالموجود، فاختلاف متعلقهما يدفع تنافيهما ويردُّه.
فالحاصل أن علم الظهور لا ينافي علم الله السابق، والله أعلم.
_________________
(١) المصدر السابق (٤٦٥).
[ ١ / ١٨٣ ]