المراد من هذه القاعدة بيان انقسام العلم إلى ما هو سبب في وجود المعلوم وما هو غير سبب فيه، وقد ذكر بعض أهل العلم هذه المسألة معبرين عنها بتأثير العلم، فذكروا أن العلم - باعتبار التأثير - ينقسم إلى قسمين:
الأول: العلم العملي؛ وهو ما كان شرطًا في حصول المعلوم، ووجود المعلوم بدونه ممتنع، وهو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله، وهو شرط في إرادة المعلوم، لأن الإرادة مشروطة بتصور المراد، ويسمى كذلك: العلم الفعلي، وهذا العلم طلبي، ولا يكون إلا متقدمًا على الفعل، ولا يمكن أن يتأخر عنه، لأنه شرط فيه، وسبب له.
والثاني: العلم الخبري النظري المحض؛ وهو ما كان المعلوم فيه غير مفتقر في وجوده إلى العلم به، وهو العلم بما لا يفعله العالم، وما ليس علمه به شرطًا في وجوده، ويسمى أيضًا: العلم الانفعالي، وهذا النوع قد يكون متقدمًا على المعلوم، وقد يكون متأخرًا عنه (^١).
وهذا التقسيم للعلم هو من حيث كونه علمًا، أي سواء تعلق بالله تعالى أو بالمخلوق.
فمن علم الله ﷾ ما هو مؤثر في وجود المعلوم وشرط له، كعلمه ﷾ بمخلوقاته؛ فإنه شرط في وجودها، ومنه ما ليس مؤثرًا فيه كعلمه
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ٨٨) و(٩/ ٣٩٠ - ٣٩٢) و(١٠/ ١١٢)، وجامع الرسائل (١/ ١٧٢) و(٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ١٢٩ - ١٣٠) ومفتاح دار السعادة (١/ ٣١٤ - ٣١٥).
[ ١ / ١٩٩ ]
سبحانه بنفسه وما يجب له من صفات الكمال.
وكذا من علم المخلوق ما هو مؤثر في معلومه، كعلمه بما يريد فعله من قيام أو صلاة أو كتابة ونحو ذلك، ومنه ما لا يؤثر، كعلمه بوحدانية الله وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة في نفسها سواء علمها أو لم يعلمها، فهي مستغنية عن علمه بها (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلامه عن انقسام علمنا إلى مؤثر وغير مؤثر -: "وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى؛ فإنه يعلم نفسه، ويعلم مخلوقاته أيضًا، والأول علم بموجود، والثاني علم بمقصود" (^٢).
وكل من هذين القسمين مستلزم للآخر؛ بمعنى أنهما يجتمعان في كل علم.
أما استلزام العلم الخبري النظري للعلم العملي؛ فلأن العلم لا بد أن يتبعه أثر ما وعمل ما على العالِم، من حب أو بغض أو غيرهما، فيكون - مع كونه تابعًا للمعلوم - متبوعًا مؤثرًا من هذه الجهة، لكن لا يجب أن يكون تأثيره في نفس المعلوم، بل يكون في أحوال تتعلق بالمعلوم من حب أو بغض أو إرادة ونحو ذلك.
مثاله: العلم بالله ﷾ هو علم خبري تابع للمعلوم، فمن آمن بالله فأحبه؛ كان علمه مؤثرًا، لكن تأثيره ليس في نفس المعلوم، وإنما في محبته وإرادته، وكذا العلم بالشيطان؛ هو علم خبري تابع غير مؤثر فيه، لكنه مؤثر في بغضه وكراهيته لمن عرفه.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ٨٨).
(٢) جامع الرسائل (٢/ ٣٩٦).
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأما استلزام العلم العملي للعلم الخبري النظري؛ فلأن العلم العملي لا يكون مؤثرًا في وجود المعلوم إلا إذا كان المعلوم متصَوَّرًا في ذهن العالم قبل وجوده في الخارج، فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة، والإرادة تتبع المراد؛ فلا بد أن يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه، فهو من هذه الحيثية علم نظري، فكل علم عملي فهو مسبوق بعلم نظري قائم في نفس العالم، فقد يكون ثبوت المعلوم في ذهن العالم سابقًا لوجوده في الخارج، وقد يكون وجوده في الخارج سابقًا لتصوره، أو بدون تصوره، وهذا هو مورد التقسيم.
ومن هذا يتبين أن لكل علم أثرًا في نفس العالم، وأن كل علم هو تابع مطابق للمعلوم، وإن كان بعضه سابقًا، وبعضه تابعًا تبع التأخر والتأثر (^١).
ولا ريب أن إثبات التأثير للعلم يقتضي كونه سببًا فيه، سواء عبر عن ذلك بلفظ السببية أو الشرطية أو نحو ذلك مما يقتضي توقف حصول المعلوم عليه، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: "العلم أبدًا تابع للمعلوم مطابق له، ثم قد يكون سببًا في وجود المعلوم. . . وقد لا يكون سببًا" (^٢).
وقال ﵀: "وقد يجوز أن يقال: كله علم فهو تابع للمعلوم مطابق، سواء كان سببًا في وجود المعلوم أو لم يكن" (^٣).
وكل من القسمين صفة كمال وعدمه من أعظم النقص (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠ - ١٣٢)، وجامع الرسائل (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١٠).
(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).
(٤) انظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٣١٥).
[ ١ / ٢٠١ ]
ومن مسائل هذه القاعدة: إن إثبات سببية العلم لا يعني أنه مقتض للمعلوم موجب له بمجرده، بل هو شرط أو جزء سبب، فليس هو وحده موجبًا لوجود المعلوم بلا قدرة ولا إرادة وعمل، بل لا بد مع العلم به من إرادته والقدرة عليه، وإن كان العلم سابقًا عليهما (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم أن نفس العلم بالمعلومات لا يغني عن إرادة ذلك والقدرة عليه، فمن ادعى أن مجرد العلم كاف في حصول المعلومات كان مكابرًا مباهتًا" (^٢).
فالحاصل أن العلم قسمان: سبب في وجود المعلوم، وغير سبب، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٧٢)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١١ - ٥١٢).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١٢)، وانظر: درء التعارض (١٠/ ١١٢).
[ ١ / ٢٠٢ ]