البحث في هذه القاعدة هو في مسألة المحو والإثبات في المقادير، وأن ذلك واقع في صحف الملائكة دون اللوح المحفوظ، ويتضمن البحث كذلك بيان متعلق المحو والإثبات.
ويحسُن قبل الخوض في شرح هذه القاعدة بيانُ المراد بالمحو والإثبات.
فالمحو: إزالة الشيء والذهاب به، والمحو لكل شيء يذهب أثره (^١).
والإثبات: ضده، وهو إقامة الشيء وإدامته، وعدم إزالته (^٢).
وكل من المحو والإثبات من أفعال الله ﷾، كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وكذا قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤].
وقوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢].
وهما من الصفات الفعلية اللائقة بعظمته وجلاله ﷾.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن المحو والإثبات واقعان في المقادير، والخلاف بينهم في مسألتين:
الأولى: محل المحو والإثبات.
الثانية: متعلق المحو والإثبات.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٥/ ٢٧٧)، ولسان العرب (٢٠/ ١٣٩)، مادة: (محو).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٦٧)، والمفردات (١٧١)، مادة: (ثبت).
[ ١ / ٢١٨ ]
أما المسألة الأولى: - وهي المسألة الأساسية في القاعدة - فهم فيها على قولين:
القول الأول: أن المحو والإثبات واقع في صحائف الملائكة فحسب، وأما اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات.
القول الثاني: أن المحو والإثبات واقع في كليهما.
فاتفق الفريقان على وقوعه في الصحف واختلفا في وقوعه في اللوح.
والمراد بالصحف: صحف التقدير العمري، وصحف التقدير الحولي في ليلة القدر.
مع التنبيه على أن أهل السنة مجمعون على أن علم الله سبحانه لا محو فيه ولا إثبات.
أما وقوعه في صحف الملائكة؛ فيدل عليه ما تقدم من أدلة على وقوع المحو والإثبات.
وأما منع وقوعه في اللوح المحفوظ - وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول -؛ فيدل عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية: "كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب"، ومثله عن عكرمة (^١).
وقال الربيع: " ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي: أصل الكتاب، وهو
_________________
(١) تقدم تخريجهما ص (٢١٤).
[ ١ / ٢١٩ ]
اللوح المحفوظ الذي لا يبدَّل ولا يغير".
وقال ابن زيْد (^١): " ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: لا يُغير ولا يُبدل" (^٢).
وقال السُّدي: " ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: يقول: عنده الذي لا يُبدل".
قال الحافظ ﵀: "فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى؛ فلا محو فيه البتة" (^٣).
وقال السعدي ﵀: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: من الأقدار، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه؛ فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب، فالتغيير
_________________
(١) هو أبو الشعثاء، جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم، البصري، كان عالم أهل البصرة في زمانه، يعد مع الحسن وابن سيرين وهو من كبار تلامذة ابن عباس، ولد سنة (٢١ هـ)، قال عمرو بن دينار: "ما رأيت أحدًا أعلم من أبي الشعثاء"، وقال عزرة الكوفي: "قلت لجابر بن زيد: إن الإباضية يزعمون أنك منهم قال: أبرأ إلى الله منهم"، مات سنة (٩٣ هـ). انظر: الطبقات الكبرى (٩/ ١٧٩)، والتاريخ الكبير (٢/ ٢٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨١).
(٢) تفسير الطبري (١٣/ ٥٦٧).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٤١٦).
[ ١ / ٢٢٠ ]
والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب ما رُسم في اللوح المحفوظ" (^١).
وهذا الاستدلال مستقيمٌ، سواء قيل إن ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ هو اللوح المحفوظ - كما هو الراجح وهو المأثور عن ابن عباس وعكرمة -، أو قيل إنه علم الله سبحانه، يوضحه:
ثانيًا: أنه قد وقع الإجماع على أن علم الله ﷾ لا محو فيه ولا إثبات، والذي في اللوح المحفوظ هو من علم الله ﷾، وعليه فلا محو فيه ولا إثبات أيضًا.
دل على هذا حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره؛ فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل)، فلذلك أقول جف القلم على علم الله (^٢).
فجعل عبد الله بن عمرو ﵄ المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله ﷾.
_________________
(١) تفسير السعدي (٢/ ٨٣٦).
(٢) رواه أحمد (١١/ ٢١٩) ح (٦٦٤٤)، والترمذي: أبواب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (٤/ ٣٨٢) ح (٢٦٤٢)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٢٤١)، وبوَّب البخاري: "باب جف القلم على علم الله" أورد تحته حديث عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم)، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كل يعمل لما خلق له، أو لما يسر له) (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٦).
[ ١ / ٢٢١ ]
ثالثًا: أن النبي ﷺ قد أخبر بجفاف القلم وأن الأمر قد فُرغ منه، وإذا جف قلم اللوح فلا محو في اللوح ولا إثبات.
كما في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَر).
وحديث ابن عباس ﵄ وفيه: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف).
وحديث سُراقة بن مالك بن جُعشُم ﵁ حين قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير). وقد تقدمت قريبًا (^١). . . إلى غير ذلك من الأحاديث.
قال ابن رجب ﵀ في حديث ابن عباس ﵄: "هو كنايةٌ عن تقدُّم كتابة المقادير كلِّها، والفراغ منها من أمدٍ بعيدٍ، فإنَّ الكتابَ إذا فُرِغَ من كتابته ورفعت الأقلامُ عنه وطال عهده؛ فقد رُفعت عنه الأقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها مِنْ مدادها، وجفت الصَّحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغِها" (^٢).
رابعًا: أن النبي ﷺ قد أخبر في أحاديث عدة أن القلم جرى
_________________
(١) انظر ص (٢١٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ١ / ٢٢٢ ]
بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (^١).
وفي لفظ: (اكتب القدر؛ ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (^٢)، وفي لفظ: (فجرى بما هو كائن إلى الأبد) (^٣).
وهذا المحو والإثبات الواقعين في القدر لا يخلو إما أن يكونا مما سُطر في اللوح المحفوظ، أو لا يكونا، والثاني باطل قطعًا لمخالفته للعموم الوارد في الأحاديث السابقة، فيلزم أنه موجود فيه.
وإذا تقرر وجوده فيه فأي شيء سيمحى أو يثبت فيه؟ فالموجود في اللوح المحفوظ: القدر المشروط، والقدر النهائي، وهو ما يعبر عنه بالقدر المعلق أو المقيد، والقدر المثبت أو المطلق أو المبرم كما سيأتي بيانه.
خامسًا: قوله سبحانه: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، على قراءة من قرأ ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بالخفض على أنه صفة للوح (^٤)، فوصف اللوح بالحفظ، وهذا يعم الحفظ من التغيير والتبديل والمحو والإثبات.
قال ابن جرير ﵀: "في لوح محفوظ من الزيادة فيه والنقصان منه عما أثبته الله فيه" (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٣٧).
(٢) رواه الترمذي (٤/ ٢٩) ح (٢١٥٥)، وانظر: صحيح الترمذي ح (٢١٥٥).
(٣) رواه كذلك الترمذي (٥/ ٣٤٨) ح (٣٣٢٠)، وانظر: صحيح الترمذي ح (٣٣١٩).
(٤) وهم الجميع سوى نافع، انظر: الحجة في القراءات السبع (٣٦٨).
(٥) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٨٦).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال ابن كثير ﵀: "أي هو في الملأ الأعلى؛ محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل" (^١).
سادسًا: أنه يلزم على القول بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ لازم باطل، وهو نسبة البداء إلى الله ﷾ (^٢)، إذ المكتوب في اللوح علمه سبحانه - كما تقدم -، فإذا جاز التغيير في علمه ﷾ فهذا هو عين البداء.
وقد اعترض القائلون بوقوع المحو والإثبات في اللوح - وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني - على هذه الأدلة بثلاثة اعتراضات:
الاعتراض الأول: أن المكتوب في صحف الملائكة هو ما في اللوح المحفوظ، فصحف التقدير السنوي تنسخها الملائكة من اللوح المحفوظ، وصحف التقدير العمري تعرض على اللوح المحفوظ فتكون مطابقة لما فيه.
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال: "يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر، حتى يكتب الحاج يحج فلان ويحج فلان" (^٣).
وتقدم أن هذه المقادير تفصيل مما في اللوح المحفوظ (^٤)، كما هي دلالة تسميته بأم الكتاب، لأن أم كل شيء: أصله وعماده، ومنه قولهم لمكة: أم القرى (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣١٤).
(٢) سيأتي تعريف البداء ص (٢٤٩).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٧).
(٤) انظر ما تقدم ص (١١٩).
(٥) القاموس المحيط (٤/ ٧٥).
[ ١ / ٢٢٤ ]
فإذا قلنا أن بوقوع المحو والإثبات فيها؛ لزمنا القول بوقوعهما فيه حتمًا.
والجواب عليه: أنه لا شك أن ما في صحف الملائكة موجود في اللوح المحفوظ، لأن اللوح المحفوظ كُتب فيه كل شيء على التفصيل، سواء ما يتعلق ببني آدم أو بغيرهم، بل قد كتب فيه ما يتعلق بما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وكتب فيه أيضًا مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها كما تقدم (^١).
لكن محل النزاع هنا: هل الذي في اللوح المحفوظ هو فقط ما في هذه الصحف، أم أن فيه زيادة عليها؟
هذه المسألة تتضح ببيان مسألة أخرى: وهي انقسام المكتوب في اللوح إلى قدر معلق، وقدر مبرم، فالقدر قدران:
الأول: القدر المثبت، أو المطلق، أو المبرم: وهو ما في اللوح المحفوظ دون غيره من الصحف، وهو ما علمه الله أنه يقع، وهو مستقر الأمر الذي يعلمه الله ﷾ ولا تعلمه الملائكة، وهذا القدر ثابت لا يتغير؛ فلا محو فيه ولا إثبات.
الثاني: القدر المعلق، أو المقيد: وهو المعلق بالأسباب التي هي من جملة ما قدره الله وكتبه، وهو ما يوجد في صحف الملائكة - مع وجوده في اللوح -.
كأن يقال للملَك: إن عمر فلان مائة سنة إن وصل رحمه وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، وهذا هو الذي يدخله المحو والإثبات (^٢).
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١١٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٨٨ - ٤٩٢)، وفتح الباري (١٠/ ٤١٦)، وشرح صحيح مسلم (١٦/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ١ / ٢٢٥ ]
فثبت بهذا أن ما في الصحف مطابق لما في اللوح، إلا أنه مقيد بأسبابه، وما في اللوح شامل لهذا ولما يستقر عليه الأمر، فلا إشكال حينئذٍ.
الاعتراض الثاني: أن القول بوقوع المحو والإثبات في اللوح قد روي عن بعض السلف.
كما روى ابن أبي شيبة (^١) والبيهقي في القضاء والقدر (^٢) عن ابن مسعود ﵁: "ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسع الله عليه في معيشته: يا ذا المن فلا يُمَن عليك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلا أنت، ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيًا فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيدًا، وإن كنت كتبتني في أم الكتاب مقتَّرًا عليَّ رزقي؛ فامح حرماني وتقتير رزقي، وأثبتني عندك سعيدًا موفقًا للخير، فإنك تقول في كتابك: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] ".
والجواب عليه من وجوه:
الأول: ضعف سنده؛ فهو من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جده عبد الله بن مسعود ﵁، وفيه علتان:
١) عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ابن سعد بن الحارث، أبو شيبة الواسطي الأنصاري ويقال الكوفي، متفق على ضعفه (^٣).
_________________
(١) المصنف (١٥/ ١٤٢) ح (٣٠١٤٥).
(٢) (٤٨٧) ح (١٨٨).
(٣) انظر: التهذيب (٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧).
[ ١ / ٢٢٦ ]
٢) الانقطاع بين القاسم وابن مسعود (^١).
وعليه فهذا الأثر لا يصح.
الثاني: على فرض ثبوته فهو معارَض بالنصوص التي دلت على أن اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا إثبات، وقد سبقت.
الثالث: أنه مخالف لجمهور الصحابة، فإن هذا القول لم يؤثر عن أحد منهم.
وبهذا يتبين أن هذا الاعتراض غير متوجه، والله أعلم.
الاعتراض الثالث: أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة به، فيحتمل التبديل (^٢).
والجواب عليه: أن لم يثبت في شيء من النصوص أن أحدًا من الخلق يطلع على اللوح المحفوظ لا الملائكة ولا غيرهم، بل قد ثبت خلاف ذلك من وجوه:
- منها وصفه سبحانه له بالحفظ.
- وكون المكتوب فيه علم الله الذي ليس لأحد الاطلاع عليه.
- وصفه بأنه عنده، وقد تقدمت بما أغنى عن إعادتها هنا (^٣).
كما أنه يلزم عليه نفي اختصاص الله ﷾ بالغيب وهذا باطل بالضرورة.
وأما استدلال من جوَّز اطلاع الملائكة عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، على أن
_________________
(١) انظر: جامع التحصيل (٢٥٢) رقم (٦٢٤)، والمصدر السابق.
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٩٤)، وقد نقله عن الغَزْنَوي.
(٣) انظر ما تقدم ص (٢١٩) وما بعدها.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، والضمير في ﴿يَمَسُّهُ﴾ راجع إليه، والمطهَّرون هم الملائكة.
فالجواب: أنه لا يسلم لهم صحة الاستدلال إلا بالبرهان على هذه المسائل الثلاث:
- أن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ.
- أن مرجع الضمير إليه.
- أن المراد بالمطهَّرين: الملائكة.
ولا سبيل لهم إلى ذلك، ففي كل منها خلاف كبير.
فقد اختلف في المراد بالكتاب المكنون، فقيل: كتاب في السماء، قاله ابن عباس.
وقيل: عند الله في صحف مطهرة، قاله ابن عباس ومالك.
وقيل هو اللوح المحفوظ، قال به جابر بن زيد وابن عباس.
وقيل: التوراة والإنجيل؛ فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، قاله عكرمة.
وقيل: الزبور، قاله السدي.
وقيل: هو المصحف الذي في أيدينا، قاله مجاهد وقتادة (^١).
واختلف أيضًا في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿يَمَسُّهُ﴾، فقيل يرجع إلى القرآن، والمراد: المصحف، ثم من هؤلاء من فسر المس بالمس المعنوي فقال: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون: أي المؤمنون بالقرآن، قاله الفراء وهو اختيار البخاري، أو لا يوفق للعمل به، أو لا يمس ثوابه إلا
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢٠).
[ ١ / ٢٢٨ ]
المؤمنون به، وإن كان أكثر المفسرين - كما قال الواحدي - على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون (^١).
فإن كان الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإن كان الثاني رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون.
واختلف كذلك في المراد بالمطهرين، فقيل: الملائكة، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وأبو العالية وغيرهم.
وقيل: الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل، قاله ابن زيد وأبو العالية.
وقيل: لا يمسه عند الله إلا المطهرون.
وقيل: حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقيل: كل من كان مطهرًا من الذنوب، رجحه ابن جرير (^٢).
فإن كان غير الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإلا لزمهم القول بأن غير الملائكة تمسه كذلك، وهو باطل؛ وهم لا يقولون به، وإن كان الأول هو الصواب رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون أيضًا.
والقول بأن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ بعيد، لأنه مخالف للأدلة التي نصت على حفظ اللوح كما تقدم قريبًا، ولأن الأدلة على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٥/ ٢١٣)، وتفسير ابن كثير (١٣/ ٣٩٠).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٣٦٤ - ٣٦٧)، والدر المنثور (١٤/ ٢٢٠ - ٢٢٣).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال مالك ﵀: "أحسن ما سمعت في هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ " (^١).
قال ابن العربي ﵀: "أما قول من قال: إن المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، فلو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه محل، وأما من قال: أنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف فإنه قول محتمل، وهو الذي اختاره مالك" (^٢).
وقد ذكر الألوسي في تفسيره أنه وقف على نسخة مؤلفة في هذه المسألة لبعض الأفاضل - كانت عنده وفُقدت في حادثة بغداد -، قرر فيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي (^٣)، فيفهم من كلامه أنه يقول بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ.
واختار الشوكاني كذلك هذا القول في كتابه "قطر الولي" (^٤).
واستدل كل منهما بأدلة ترجع - عند التأمل - إلى إثبات وقوع المحو والإثبات، وهذا القدْر لا شك فيه، لكن النزاع في محله، هل هو مقصور على الصحف، أم أنه شامل كذلك للوح.
وبعضها يرجع إلى عموم متعلق المحو والإثبات، وستأتي مناقشة هذه الأدلة إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: الدر المنثور (١٤/ ٢٢٣).
(٢) أحكام القرآن (٤/ ١٧٥).
(٣) انظر: روح المعاني (١٣/ ١٧٠).
(٤) انظر: (٤٩٦ - ٤٩٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وأما المسألة الثانية: متعلق المحو والإثبات.
فالمراد بمتعلق المحو والإثبات: أي ما الذي يمحى؟
اختلف أهل السنة في هذه المسألة على سبعة أقوال، ومجمل هذه الأقوال:
١) يمحى كل شيء إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة؛ فإنهما قد فُرغ منهما، وهو قول ابن عباس ومجاهد.
٢) يمحى كل شيء إلا السعادة والشقاوة، وهو قول لابن عباس ومجاهد أيضًا.
٣) يمحى كل شيء بدون استثناء، وهو قول عمر، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والضحاك، وأبي وائل شقيق بن سلمة.
٤) أن الذي يمحى ما ليس فيه ثواب ولا عقاب والذي يثبت ما فيه ثواب وعقاب، وهو قول الضحاك وأبي صالح.
٥) أن الذي يمحى ويثبت هو الأجل؛ يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله، وهو قول الحسن.
٦) أن الذي يمحى ويثبت هي الذنوب؛ يمحوها بالمغفرة، ويثبتها بعدمها، وهو قول سعيد بن جبير.
٧) أن الذي يمحى ويثبت هو الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن جريج، وقتادة، والقرظي، وابن زيد (^١).
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٥٥٩ - ٥٦٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٦٣ - ١٦٨)، وزاد المسير (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١ / ٢٣١ ]
والأقوال الخامس والسادس والسابع: حقيقتها نفي المحو والإثبات على المعنى المراد في هذا المبحث، وسيأتي التطرق لها في مناقشة مانعي المحو والإثبات.
وأما الأقوال الأُخَر فترجع إلى ثلاثة أقوال:
الأول: العموم بدون استثناء.
الثاني: العموم مع استثناء شيء محدد، إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال.
الثالث: أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
أما القول الأول، فممن ذهب إليه: الشوكاني.
وعند تأمل ما ورد من نصوص وآثار في ذلك - وسبق شيء منها - يلحظ أنها نصت على المحو والإثبات في ثلاثة أشياء:
- السعادة والشقاوة.
- الآجال.
- الأرزاق.
وما عداها فهو مفهومُ عموماتٍ، لا منطوقٌ صريحٌ، كالعموم في قوله ﷾: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وفي قوله ﷺ: (لا يرد القدر إلا الدعاء) (^١).
والذي يظهر قصر المحو والإثبات على هذه الكلمات الثلاث لوجوه:
أولها: النص عليها دون غيرها - كما تقدم آنفًا -.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢١٧).
[ ١ / ٢٣٢ ]
ثانيها: أن هذه الكلمات هي التي تتعلق بالمعين من الأشخاص دون غيرها، يدل على ذلك أنها هي التي يكتبها الملَك في التقدير العمري في الرحم، وهو التقدير الخاص بالمعينين من بني آدم، فلذلك يثبت فيها المحو والإثبات في حق المعين عند إتيانه بأسبابهما، يوضحه:
ثالثها: أنه لم يثبت المحو والإثبات في حق عموم الناس، وإنما ثبت في حق معينين، وكل ما يخص المعين إنما يدور على هذه الكلمات الثلاث.
ولا يعكّر على هذا التقرير ثبوته في حق قوم نوح كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]؛ لأن العموم إنما هو في الخطاب؛ تمامًا كقول النبي ﷺ: (من سَرَّه أن يُبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره فليَصِل رَحِمَه) (^١)، فإنه خطاب عام لكل الأمة، وأما المحو والإثبات فهو في حق المعين الذي أتى بالسبب، ولا يتوقف حصولهما في حق من أتى بسببهما على إتيان جميع المخاطبين بأسبابهم، لذلك تحقق هذا في حق قوم نوح، فمن آمن زيد في عمره وأُخِّر، ومن لم يؤمن عوجل بالعقوبة وأُهلك.
رابعها: أن تعميم متعلق المحو والإثبات ليشمل كل شيء يلزم عليه لازم باطل: وهو عدم الوثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر، وكذا لا يبقى وثوق بالإخبار بأنه ﷺ خاتم النبيين، لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢١٦).
(٢) انظر: روح المعاني (١٣/ ١٧٢).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وهذا يترتب عليه هدم الدين ومحو الشريعة كما لا يخفى.
وقد أورد القائلون بالعموم بدون استثناء على هذا القول عدة اعتراضات:
الاعتراض الأول: استعاذته ﷺ من سوء القضاء وطلب الحفظ منه، ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه.
الاعتراض الثاني: أنه ﷺ شرع لأمته الدعاء، ولولا إمكان التغيير لألغاه.
وهذان الاعتراضان من باب واحد، وإنما يصلحان أدلةً على من ينكر المحو والإثبات، وليس فيهما أن المحو والإثبات يقعان في كل شيء، إلا أن يراد أن كلًّا من (القضاء) و(الدعاء) هنا عام في كل شيء، وهذا لا يصح، لأن القضاء وصف هنا بالسوء، فالمستعاذ منه هو القضاء السيء لا مطلق القضاء، والقضاء إنما يكون سيئًا في حق من وقع عليه من المعينين، ولا يخرج فيهم هذا عن الكلمات الثلاث كما تقدم.
الاعتراض الثالث: اعتذاره ﷺ عن الخروج لصلاة التراويح بخشيته أن تفرض عليهم، ولا معنى لهذه الخشية - بعد سبق القضاء أنها ستكون خمسًا - لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير.
والجواب عليه: أن هذا خارج محل النزاع أصلًا، لأن محل النزاع هو القدر لا الشرع، فإن المحو والإثبات في الشرائع - المعبر عنه بالنسخ - واقعٌ بلا إشكال ما دام الوحي ينزل على النبي ﷺ.
الاعتراض الرابع: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والجواب عليه: أن خوفهم هذا راجع إلى المحو والإثبات في السعادة والشقاوة، وهذا لا إشكال في وقوع المحو والإثبات فيه (^١).
الاعتراض الخامس: أن العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، شاملٌ لكل شيء؛ فما من شيء من المقادير إلا وهو قابلٌ للمحو والإثبات.
والجواب عليه: أن هذا عام مخصوص بالكلمات الثلاث، ووجه اختصاصه ما تقدم قريبًا في وجوه قصر المحو والإثبات على الكلمات الثلاث.
لكن لا يمنع هذا شموله للمحو والإثبات في الشرائع، ولا شموله أيضًا لمحو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب (^٢).
وبهذا يظهر الجواب عن القول الثالث، وهو أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
وزيادة في تحريره يقال: في قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، المثبت عند أصحاب هذا القول: ما فيه ثواب وعقاب، والممحو: ما ليس فيه ثواب وعقاب، فكأن الله سبحانه قال: أمحو ما ليس فيه ثواب وعقاب، وأثبت ما فيه ثواب وعقاب.
وهذا لا يصح، لأن محو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب حتمٌ - تفضلًا من الله ﷾ والله سبحانه علقه بالمشيئة؛ والشيء إذا كان حتمًا لا
_________________
(١) انظر هذه الاعتراضات الأربعة في روح المعاني (١٣/ ١٧١ - ١٧٢)، وانظر: قطر الولي (٤٩٧ - ٥٠٢) للاعتراضين الأول والثاني منهما.
(٢) انظر: قطر الولي (٥٠٣ - ٥٠٤).
[ ١ / ٢٣٥ ]
يعلق بالمشيئة (^١).
فالخروج من هذا الإلزام يكون بالقول بإمكان كل من المحو والإثبات فيما فيه ثواب وعقاب، وما ليس فيه ثواب وعقاب ممحو على كل حال تفضلًا من الله ﷾.
فتفسير من فسر الآية بهذا من السلف هو تفسير بالمثال، وإلا فهو من جملة ما يمحى لا كله، والله أعلم.
وأما القائلون بالعموم مع استثناء شيء محدد؛ إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال، فيرد على تعميمهم بما تقدم في الرد على القول الأول.
وأما استثناؤهم الآجال فيُستدل له بأدلة:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
الثاني: وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
الثالث: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ، وبأبي؛ أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ: (قد سألت الله لآجال
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤]: "فمحو الباطل نظير إحقاق الحق ليس مما علق بالمشيئة بل لا بد منه، بخلاف الختم على قلبه فإنه معلق بالمشيئة ولا يجوز أن يعلق بالمشيئة محو الباطل كتعليق الختم على قلبه، بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه" الجواب الصحيح (١/ ٤٤٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
مضروبة وأيام معدودات وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل) (^١).
ويؤيده (^٢) حديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) (^٣)، فحصر زيادة العمر بالبر دون غيرها.
والجواب عن الاستدلال بالآيتين: أنهما لا تعارضان وقوع المحو والإثبات في الآجال، لأنهما خاصتان بمن حضر أجله بالنص، بخلاف من لم يحضر أجله، فالمحو والإثبات في الأجل واقع ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
قال الزهري ﵀ في قول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]: "نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يُقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء" (^٤).
وقال الشوكاني ﵀: "إذا حضر الأجل فإنه لا يتقدم ولا يتأخر، وقبل حضوره يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦٣).
(٢) انظر شرح الطحاوية (١/ ١٢٩).
(٣) تقدم تخريجه ص (٢١٦).
(٤) رواه ابن جرير (١٤/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٣٧ ]
يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه" (^١).
وقد جمع الله ﷾ بين الأمرين في قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٣، ٤].
وقد ثبت في السنة أن الله ﷾ يزيد في الأجل وينقص منه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال ستين سنة قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) (^٢).
ومثله ما تقدم من كون صلة الرحم وحسن الجوار يزيدان في الأعمار (^٣).
فتبين بهذا أن هاتين الآيتين لا تعارضان دخول المحو والإثبات في الآجال.
_________________
(١) قطر الولي (٥٠٨).
(٢) رواه الترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف (٥/ ١٥٩) ح (٣٠٧٦)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ح (٣٠٧٦) وظلال الجنة ح (٢٠٦).
(٣) انظر ما تقدم ص (٢١٦).
[ ١ / ٢٣٨ ]
وأما حديث أم حبيبة ﵂، فالجواب عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث ليس فيه أن الآجال لا تتغير مطلقًا، وإنما الذي فيه أنها لا تزيد بالدعاء خاصة، قال شيخ الإسلام ﵀: "ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط" (^١).
وقال أيضًا: "وأما حديث أم حبيبة؛ ففيه أن الدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء؛ فالأعمار المقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له نافع فيه" (^٢).
وعليه، فلا يكون دليلًا لمنع المحو والإثبات في الآجال مطلقًا، سيما وقد ثبتا فيها في أحاديث أخر وبأسباب أخر.
على أن منع تأثير الدعاء لا يُسلم، فقد ثبت أن النبي ﷺ دعا لأنس فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له) (^٣).
وقد استجاب الله ﷾ لنبيه، فعمر أنس وكثر ماله وولده، فقد قال
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (٢٦٤).
(٢) الاستقامة (١٣١).
(٣) رواه أبو يعلى (٧/ ٢٢٤) ح (٤٢٣٦)، والبخاري في الأدب المفرد: باب من دعا بطول العمر (١/ ٣٤٢) ح (٦٥٣)، من طريق سنان بن ربيعة عن أنس ﵁، وأصله في الصحيحين بدون ذكر طول العمر، وبوب له البخاري ﵀ بقوله: "باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله"، وهذا منه إشارة لطريق سنان هذه التي فيها ذكر طول العمر كما ذكر الحافظ، انظر: فتح الباري (١١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[ ١ / ٢٣٩ ]
عقب هذا الحديث: "فدعا لي بثلاث؛ فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة"، فثبت بهذا جواز الدعاء بزيادة الآجال، وأنه مؤثر فيها.
وكذلك يرده ما في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في قصة آدم وداود ﵉.
الثاني: أن نهي النبي ﷺ هنا من باب الإرشاد إلى ما هو أنفع وأولى، خصوصًا أن مجرد طول العمر ليس محمودًا إلا مع الصلاح، ودعاؤها ﵂ كان - فيما يظهر - مجردًا عن الفائدة الأخروية.
لذلك شرع الدعاء بتغيير الآجال لما تضمن نفعًا أخرويًا، كما في حديث أنس المتقدم، وكما في حديث عمار بن ياسر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. . .) (^١).
وأما حديث ثوبان ﵁ فلا دلالة فيه على منع المحو والإثبات في الآجال، وإنما فيه حصر لسببهما، والجواب عليه من وجهين:
الأول: ما تقدم من ثبوت الدعاء بطول العمر.
الثاني: أن الدعاء من البر، لأن البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به (^٢)، والدعاء مما أمر الله به.
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠/ ٢٦٤) ح (١٨٣٢٥)، والنسائي: كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر (٣/ ٦٢) ح (١٣٠٤ - ١٣٠٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (١٣٠١).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٦٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
وأما استثناء السعادة والشقاوة فيُستدل له بأدلة:
الأول: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصرة، فنكَّس فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: (ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)، قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^١).
الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٦/ ١٧١) ح (٤٩٤٨)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٩) ح (٢٦٤٧)، ومن حديث عمران بن حصين ﵁، رواه: البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (٩/ ١٥٩) ح (٧٥٥١)، ومسلم في الموضع السابق (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩)، ومن حديث سراقة بن مالك بن جُعشُم ﵁، رواه مسلم في الموضع السابق كذلك (٤/ ٢٠٤٠) ح (٢٦٤٨)، وقد تقدم ص (١٠٤). وروي في غير الصحيحين من حديث عدد من الصحابة: أبي بكر، وعمر، وأبي حميد الساعدي، وذي اللحية الكلابي ﵃.
[ ١ / ٢٤١ ]
يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا؛ فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (^١).
الثالث: حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان)؟ قال قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال للذي في يده اليمنى: (هذا كتاب من رب العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، ثم قال للذي في يساره: (هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء إذن نعمل إن كان هذا أمرًا قد فرغ منه؟ قال رسول الله ﷺ: (سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار ليختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: (فرغ ربكم ﷿ من العباد)، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: (فريق في الجنة)، ونبذ باليسرى فقال: (فريق في السعير) (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٠٤).
(٢) رواه أحمد (١١/ ١٢١) ح (٦٥٦٣)، والترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار (٤/ ١٩) ح (٢١٤١)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٨٤٨).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فدلت هذه الأحاديث على أن السعادة والشقاوة قد فرغ منهما فلا محو ولا إثبات.
والجواب عليها من وجوه:
الأول: أن يقال: مما لا شك فيه أن إثبات الأسباب لا ينافي سبق القدر، لأن هذه الأسباب من جملة القدر.
والدعاء وصلة الرحم وغيرهما - مما ثبت تأثيره في المحو والإثبات -، إنما هي أسباب من جملة ما قدره الله ﷾ من الأسباب، وحينئذ فإثباتها لا ينافي سبق القدر بمسبَّباتها.
فسبْق القدر بالسعادة والشقاوة لا ينافي الإتيان بأسبابهما، بل الإتيان بأسبابهما من جملة المقدور الذي ييسر به المرء لعمل أهلهما (^١)، كما بين ذلك النبي ﷺ في الأحاديث المتقدمة.
فالأسباب التي تؤثر في السعادة والشقاوة محوًا وإثباتًا هي من جملة السعادة والشقاوة.
الثاني: أن هذه النصوص وأمثالها محمولة على القضاء المبرم لا المعلق - وهذا واضح جدًا - والقضاء المبرم لا محو فيه ولا إثبات، وإنما ذلك في المعلق الذي بأيدي الملائكة كما تقدم بيانه (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٢) وما بعدها.
(٢) وتجدر الإشارة إلى أنه قد روي في استثناء السعادة والشقاوة والآجال حديث مرفوع رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٧٩) ح (٩٤٧٢) من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: (يمحو الله ما يشاء؛ إلا الشقاوة والسعادة، والحياة والموت)، ولا يصح؛ انظر: الضعيفة ح (٥٤٤٨).
[ ١ / ٢٤٣ ]
الثالث: أن الدعاء بمحو الشقاوة وإثبات السعادة فعله أكابر السلف، كعمر وابن مسعود ﵄، وأبي وائل شقيق بن سلمة ﵀.
فعن أبي عثمان النَّهدي، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال - وهو يطوف بالبيت ويبكي -: "اللهم إن كنت كتبت علي شِقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب؛ فاجعله سعادةً ومغفرة".
وعن أبي قِلابة، عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني، وأثبتني في أهل السعادة".
وعن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (^١).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن في حديث عبد الله بن عمرو إثبات هذين الكتابين، كتاب السعادة وكتاب الشقاوة، وأنهما مشاركان للوح المحفوظ بكونهما مما لا محو فيه ولا إثبات، كما لا محو ولا إثبات في اللوح المحفوظ.
وبهذا يتبين أن المحو والإثبات واقعان في المقادير؛ فيما يتعلق بالكلمات الثلاث خاصة دون غيرها، وأن ذلك المحو والإثبات إنما يكون في صحف الملائكة، دون اللوح المحفوظ فإنه مصون عن التغيير والتبديل والمحو والإثبات، والله أعلم.
_________________
(١) روى هذه الآثار ابن جرير (١٣/ ٥٦٣ - ٥٦٤).
[ ١ / ٢٤٤ ]