لهذه القاعدة تعلق بالمرتبة الثالثة من مراتب القدر، والمقصود منها شمول قدرة الرب ﷾ لما كان ولما لم يكن، وشمول مشيئته لما كان وجوازها فيما لم يكن.
وكلٌ من القدرة والمشيئة - فيما ظهر لي من كلام أهل العلم - تتعلق بها عدة مسائل.
أما القدرة: فتتعلق بها سبع مسائل:
الأولى: ثبوت صفة القدرة لله ﷾.
الثانية: دوام قدرة الله ﷾ في الأزل والأبد.
الثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.
الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.
الخامسة: قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء.
السادسة: ثبوت القدرة للعبد على فعله بإقدار الله ﷾ له.
السابعة: أن القدرة تنقسم إلى سابقة ومقارنة.
والمسألة السابعة محلها مبحث الاستطاعة، وكذا السادسة محلها مبحث أفعال العباد، وستأتيان في موضعهما إن شاء الله.
والمسألة الخامسة هي محل البحث وما عداها فهي مقدمات أساسية تبينها وتشرحها.
وأما المشيئة: فتتعلق بها أربع مسائل:
الأولى: المشيئة صفة ثابتة لله ﷾.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.
الثالثة: شمول مشيئة الله ﷾ لكل ما كان.
الرابعة: جواز تعلق مشيئة الرب بكل ما جاز أن تتعلق به قدرته.
والمسألتان الثالثة والرابعة هما محل البحث، والأولى والثانية هما مقدمتان لهما.
وسيكون البدء بمقدمات كل منهما، ثم بالمسألة الأساسية فيهما.
أما مقدمات القدرة:
المسألة الأولى: ثبوت صفة القدرة لله ﷾.
القدرة من الصفات الذاتية الثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته، ومن أسمائه تعالى: (القادر) و(القدير) و(المقتدر).
وقد دل على اتصاف الله سبحانه بها الكتاب والسنة.
أما الكتاب، فمن أدلته:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وأما السنة:
حديث جابر ﵁ في الاستخارة وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر،
[ ١ / ٢٦٠ ]
وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب) (^١).
حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: (اعلم أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه)، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ (^٢).
وحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ: (ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ) (^٣).
المسألة الثانية: دوام قدرة الله ﷾ في الأزل والأبد، فإنه قادر ولا يزال قادرًا على ما يشاؤه بمشيئته (^٤).
والقدرة في هذا كسائر صفات الكمال، لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ويقولون [أي السلف] إنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، لم يزل متكلمًا إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالمًا ولم يزل قادرًا ولم يزل حيًا سميعًا بصيرًا، ولم يزل مريدًا، فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٤٢).
(٢) رواه مسلم: كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده (٣/ ١٢٨٠) ح (١٦٥٩).
(٣) رواه مسلم: كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (٤/ ١٧٢٨) ح (٢٢٠٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩ - ٣٠)، الصفدية (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٢٦١ ]
منعوتًا بنعوت الجلال والإكرام ﷾" (^١).
ومن الأدلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتاه رجل فقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ كأنه شيء كان؟ قال: "أما قوله: ﴿وَكَانَ﴾ فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بكل شيء عليم" (^٢).
المسألة الثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.
وهذا عام في قدرة الله ﷾ وفي قدرة العبد.
أما في قدرة الله ﷾ فمن الأدلة عليها:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].
فأخبر أنه قادر على نفس فعله القائم به، وهو أن يخلق، فنفس الخلق فعل له وهو قادر عليه.
_________________
(١) الجواب الصحيح (٢/ ١٦٤).
(٢) رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١١٢).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما أخبر ﷾ أنه مقدور له.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤].
فتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله، وقد أخبر ﷾ بقدرته على كليهما (^١).
وأما قدرته ﷾ على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥].
فهذه الآيات نص في قدرته ﷾ على الأعيان المفعولة.
وأما شمولها لأفعال العباد بخاصة، فيدل عليها ما ورد من كونه ﷾ خالق أفعال العباد، لأن كونه خالق أفعال العباد يستلزم أنه قادر عليها، وستأتي هذه الأدلة في موضعها إن شاء الله.
وأما قدرة العبد على فعله القائم به، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٤٥٢)، وانظر كذلك: مجموع الفتاوى (٨/ ١١).
[ ١ / ٢٦٣ ]
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (^١).
وأما قدرة العبد على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
فأخبر ﷾ بقدرتهم على المحاربين، وهذه قدرة على الأعيان المنفصلة.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥].
فأخبر أن العبد المملوك لا يقدر على شيء، والآخر بخلافه قادر على ما لم يقدر عليه هذا.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
أخبر ﷾ أنهم في هذه الحال لا يقدرون على شيء مما كسبوا، فدل بالمفهوم على أنهم في غير تلك الحال يقدرون على ما كسبوا، وكذلك غيرهم يقدر على ما كسب.
ومن هذا الباب ما جاء من الأدلة على أن المفعولات الخارجة مصنوعة
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب (٢/ ٤٨) ح (١١١٧).
[ ١ / ٢٦٤ ]
لهم، لأن المصنوع لهم مقدور لهم بالضرورة، كقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] (^١).
المسألة الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.
فالفعل اللازم: هو الذي لزم فاعله ولم يتعد أثره إلى غيره، أي لم يتعدَّ إلى مفعول، وهو في حق الله ﷾ كالاستواء، والإتيان والنزول والمجيء.
والفعل المتعدي: بخلافه، وهو ما لم يلزم فاعله، بل تعدى أثره إلى غيره، وهو في حق الله ﷾ كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والهدى والإضلال.
والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، لأن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديًا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من الفاعل (^٢).
وقد اجتمع النوعان في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فالاستواء فعل لازم، والخلق فعل متعد.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٥ - ١٧).
(٢) انظر لتعريف الفعل اللازم والمتعدي والفرق بينهما: الفتاوى (٨/ ١٨ - ١٩)، ودرء التعارض (٢/ ٣ - ٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٧٠).
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومذهب أهل السنة أن كلًّا من الفعلين اللازم والمتعدي ثابت لله ﷾، وأنه سبحانه قادر على كِلا الفعلين (^١).
أما القدرة على الفعل اللازم، فمما يدل عليها:
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
فالله ﷾ مستو على العرش، ففعله للاستواء دليل على قدرته عليه، إذ يمتنع الفعل بدون قدرة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وهذا إخبار بأنه سيفعل ذلك وهذا أيضًا متضمن لقدرته على ذلك.
ومثل هذين حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) (^٢).
وأما القدرة على الفعل المتعدي، فمما يدل عليها:
قوله ﷿: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وقوله ﷿: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨ - ٢٠).
(٢) رواه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (٢/ ٥٣) ح (١١٤٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢١) ح (٧٥٨).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
فأخبر ﷾ بقدرته على الخلق وإحياء الموتى صريحًا، وبقدرته على الهداية والإضلال ضمنًا، والله أعلم.
وأما مقدمات المشيئة:
المسألة الأولى: ثبوت صفة المشيئة لله ﷾.
المشيئة من الصفات الثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد تقدمت أدلة على ثبوت المشيئة مرتبةً من مراتب القدر، فأغنى عن إعادتها هنا.
وقد دل على مشيئة الله ﷿ إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان (^١).
المسألة الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.
وذلك أن الإرادة تنقسم إلى قسمين (^٢):
إرادة كونية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث؛ كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهي المستلزمة لوقوع المراد، وهي إرادة ما يريد أن يفعله هو ﷾؛ فهي مقتضى الربوبية.
إرادة شرعية: وهي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعًا ودينًا، وهي ملازمة للأمر الشرعي، ولا تستلزم وقوع المراد، وهي إرادته من العبد فعل ما أمره به (^٣).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧١).
(٢) سيأتي الكلام على الإرادة في مبحث مستقل إن شاء الله.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣١ و١٨٨) و(١١/ ٢٦٦)، ومنهاج السنة (٣/ ١٥٦)، وشفاء العليل (١/ ١٨٩ - ١٩٠).
[ ١ / ٢٦٧ ]
فلا تكون المشيئة بمعنى المحبة أبدًا، وحيثما وردت في كلام الشارع فالمراد بها الإرادة الكونية.
قال ابن القيم ﵀: "لفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي" (^١).
وقال ﵀ في حمل المشيئة على الأمر -: "وهذا باطل قطعًا، فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك، وإنما استعملت في مشيئة التكوين" (^٢).
وأما المسألة الأساسية فيهما، فيمكن ترتيبها في ثلاث مسائل:
الأولى: شمول قدرة الله ﷾ لكل شيء.
الثانية: شمول مشيئة الله ﷾ لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.
الثالثة: جواز تعلق قدرة الرب ﷾ بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.
أما المسألة الأولى: شمول قدرة الله ﷾ لكل شيء.
فالمراد بها أنه ما من شيء إلا والله ﷿ قادر عليه، فلا يعزب عن قدرته ﷾ شيء.
وقد دل على هذه المسألة:
قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقد وصف الله ﷾ نفسه بأنه على كل شيء قدير في خمسة وثلاثين موضعًا في القرآن.
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٨٩).
(٢) التبيان في أيمان القرآن (٢٠٥).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
فـ (كل شيء) في كلا الآيتين على عمومه فيدخل فيه كل ما صح أن يكون شيئًا؛ ما وُجد فعلًا، وما لم يوجد مما يتصوره الذهن موجودًا إن تُصوِّر وجوده في الخارج، لا يستثنى من ذلك شيء ولا يزاد عليه شيء.
وأما ما صح أن يتصوره الذهن لكن لا يمكن وجوده في الخارج فهذا ليس بشيء أصلًا، فلا يكون داخلًا فيما سبق (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما أهل السنة فعندهم أن الله تعالى على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا؛ فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء" (^٢).
وبيان ذلك: أن الشيء إما أن يكون موجودًا أو معدومًا، فالموجود أمره واضح، ولا إشكال فيه.
وله أربع مراتب:
- الوجود العيني: وهو الوجود في الخارج.
- الوجود الذهني: وهو الوجود في العلم.
- الوجود اللفظي: وهو الوجود في النطق واللسان.
- الوجود الرسمي، وهو الوجود في الخط والكتابة (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٨ - ١٠) و(١٢/ ٣٣١).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٢٩٣).
(٣) انظر: معيار العلم (٤١ - ٤٢).
[ ١ / ٢٦٩ ]
قال السيوطي:
مراتبُ الوجود أربعٌ فقطْ … حقيقةٌ تصورٌ لفظٌ فخطْ
فوجود الموجود في الخارج هو الوجود العيني، والعلم به الذي في القلوب هو الوجود الذهني العلمي، والعبارة عن ذلك هو الوجود اللفظي اللساني، وكتابة ذلك هو الوجود الرسمي البناني (^١).
وقد جمع الله ﷾ هذه المراتب الأربعة في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
فمرتبة الوجود العيني في قوله: ﴿خَلَقَ﴾، ومرتبة الوجود الذهني في قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ومرتبة الوجود الرسمي في قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وأما مرتبة الوجود اللفظي فمن لوازم التعليم بالقلم، فإن الكتابة فرع النطق، والنطق فرع التصور (^٢).
وأما المعدوم؛ فهو على قسمين:
الأول: المعدوم الممكن، وهو ما أمكن وجوده في الخارج، وإن لم يكن موجودًا فيه فعلًا، وهو على قسمين:
- ما قُدر أنه سيقع، كأشراط الساعة الكبرى من خروج الدجال
_________________
(١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و(٤/ ١٦)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٢٣٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٢) و(١٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٣).
[ ١ / ٢٧٠ ]
والدابة ونحو ذلك.
- ما قُدر أنه لا يقع، مع إمكان الوقوع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
فعلق عدم وجودها على عدم مشيئته، فدل على إمكانها، وقد يسمى هذا القسم ممتنع لغيره، أي لعدم مشيئته، تمييزًا له عن الممتنع لذاته.
ومن هذا الباب إمكان إدخال المؤمنين النار، وتعذيب من لا ذنب له، هو ممكن له ﷾ لكن لا يفعله فضلًا منه سبحانه وحكمةً، وسيأتي لبيان ذلك مبحث مستقل إن شاء الله.
والممكن بقسميه يصح أن يسمى شيئًا باعتبار وجوده في العلم - أو فيه مع اللفظ والكتاب - مع إمكان وجوده في الخارج، فيكون داخلًا في عموم (كل شيء).
الثاني: المعدوم الممتنع، وهو ما لا يمكن وجوده في الخارج، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا، فإن هذا ممتنع لذاته لا يعقل ثبوته في الخارج، وإنما يتصوره الذهن على وجه التمثيل، ثم يحكم بامتناع وجوده في الخارج، فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء.
فله وجود في العلم، لكنه ممتنع الوقوع في الخارج، فخرج بهذا عن كونه شيئًا، فلا يكون داخلًا في عموم (كل شيء).
والمعدوم بقسميه على هذا التقرير ليس شيئًا في الخارج.
[ ١ / ٢٧١ ]
وهذا موضع إجماع أهل السنة والجماعة، وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف (^١).
وأما المسألة الثانية: شمول مشيئة الله ﷾ لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.
فالمراد منها أن مشيئة الرب ﷿ نافذةٌ، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء.
وتقدم عند الكلام على المشيئة - بصفتها من مراتب القدر - الإشارة إلى أدلة شمولها، وأنها متضمنة لأمرين (^٢):
الأول: أن ما وقع من الأشياء إنما وقع بمشيئته ﷾، فهي الموجب التام.
الثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ﷾، فتعليقه عدم الوقوع على عدم المشيئة دليل على جواز نفوذها.
ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].
فانقطاع خلود أهل الجنة والنار أمر لا يكون، وقد أخبر ﷿ لو شاء لفعله.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩ - ١٠ و١٨٢ - ١٨٥)، ومنهاج السنة (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٣)، وجامع المسائل (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٢) انظر ما تقدم ص (١٠٥ - ١٠٦ و١٢١ - ١٢٢).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، فرد حصول الفعل إلى مشيئته ﷾.
فكل ما صح أن يُسمى شيئًا - كما سبق بيانه - يصح أن يشاءه الله ﷿.
وأما المسألة الثالثة: جواز تعلق قدرة الرب ﷾ بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.
فهذه المسألة هي في الحقيقة لبُّ هذه القاعدة، وقد بان من مجموع ما سبق المراد منها، وزيادة في البيان يقال:
القدرة إنما تصح على ما يصح أن يُشاء، لأن ما لا يصح أن يُشاء ليس بشيء؛ فلا يصح تعلق القدرة به، وكذلك المشيئة إنما تكون على المقدور، والله على كل شيء قدير، وما لا يصح أن يكون مقدورًا - لكونه ليس شيئًا - لا يصح توجه المشيئة إليه.
فشمول كل منهما دليل على شمول الأخرى.
قال شيخ الإسلام ﵀: "قدرة الرب لا يفعل بها إلا مع وجود مشيئته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وليس كل ما كان قادرًا عليه فعله. . . وإذا كان لو شاءه لفعله دل على أنه قادر عليه، فإنه لا يمكن فعل غير المقدور" (^١).
فجواز القدرة دليل على جواز المشيئة، وجواز المشيئة دليل على جواز القدرة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] دخل في ذلك ما يصلح أن يكون مقدورًا، وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ممكنة الوجود، وقد يقال: دخل في ذلك كل ما يسمى شيئًا بمعنى مشيئًا. . . فكل ما
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).
[ ١ / ٢٧٣ ]
يصلح أن يشاء فهو عليه قدير، وإن شئت قلت: قدير على كل ما يصلح أن يقدر عليه، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء" (^١).
والأصل الجامع في هذا الباب: قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وذلك أن (شيء) في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسمَّوا المشيء شيئًا، فيكون المعنى: على كل مشيء قدير - سواء كان شيئًا في الخارج أو في العلم فقط - أي: على كل ما يُشاء قدير، فأثبت قدرته على كل ما يُشاء، وجواز مشيئته لكل ما هو قادر عليه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، كنَال ينال نيلًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئًا. . . فقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي على كل ما يشاء؛ فمنه ما قد شيء فوُجد، ومنه ما لم يُشأ لكنه شيء في العلم بمعنى انه قابلٌ لأن يشاء، وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، أو ما كان شيئًا في العلم فقط، بخلاف ما لا يجوز أن تتناول المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته، أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء" (^٢).
والحاصل أن قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء، وأن مشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وأن جواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى، والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٣١).
(٢) المصدر السابق (٨/ ٣٨٣).
[ ١ / ٢٧٤ ]