مقصود هذه القاعدة بيان أن سبق المقادير لا ينافي كون الإنسان ولد على الفطرة، وينبغي قبل الخوض في هذا الموضوع تقرير معنى الفطرة في اللغة والشرع.
الفِطْرة في اللغة: من فَطَرَ الشيء يفطُره فَطرًا، والفِطْرة الحالة منه كالجِلْسة والرِّكْبة.
والفاء والطاء والراء: أصل صحيح، يدل على فتح شيء وإبرازه، وقد فسرت الفطرة في اللغة بمعان كلها ترجع إلى هذا الأصل:
فقيل: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، أي: انشقت (^١).
وحديث عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (^٢)، أي تتشقق.
ووجه مناسبته للأصل ظاهر، فإن الشيء إذا انشق فقد فُتح وأُبرز ما فيه.
وقيل: الابتداء والاختراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: مبتدعهما ومبتدئهما (^٣).
وقول أحد الأعرابيين اللذين اختصما إلى ابن عباس ﵄ في بئر: "أنا
_________________
(١) = أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٩) ح (٢٦٦٠ و٦٥٩٧).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ١٧٤).
(٣) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة الفتح، (٦/ ١٣٥) ح (٤٨٣٧).
(٤) انظر: تفسير الطبري (٩/ ١٧٥).
[ ١ / ٢٨٨ ]
فطرتها"، أي: أنا ابتدأتها (^١).
ووجه مناسبتها للأصل أن ما اخترع وابتدئ فقد أُبرز إلى الوجود، وشُق عنه غطاء العدم.
وقيل: الخِلقة، والفطر: الخلق، وبه فسر قتادة والسُّدي (^٢) قولَه تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: خالق السموات والأرض.
وهذا المعنى قريب من المعنى الثاني.
وقيل: ما قرُب عهده، فكل ما أُعجِل عن إدراكه فهو فَطير، ومنه قولهم: حيس فطير، أي: طري قريب حديث العمل.
وقولهم لبن فطير: للذي يُحلب ساعتئذ، وخبز فطير: للذي اختُبز من ساعته ولم يختمر، ورأي فطير: للذي استُعجل به قبل أن يستحكم، وجِلد فطير: للذي لم يُروَ من دباغ (^٣).