دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
أما أدلة الكتاب: فهي أنواع:
الأول: نفيه ﷾ الظلم عن نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مواضع من كتاب الله ﷾ (^١).
وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
النوع الثاني: نفيه ﷾ إرادته له: كقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١].
النوع الثالث: تأمينه ﷾ العباد منه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
النوع الرابع: إخباره ﷾ عن نفسه باتصافه بخلافه وهو العدل، تارة بالإخبار بالقيام به كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
_________________
(١) آل عمران: (١٨٢)، والأنفال: (٥١)، والحج: (١٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وتارة بالإخبار بالحكم به كما في قوله ﷾: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٥٤]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وغير ذلك.
النوع الخامس: نفيه ﷾ التسوية بين الطائعين والعاصين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وأما أدلة السنة: فحديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. . .) (^١).
وفي هذا الحديث نوع آخر من الأدلة على نفي الظلم غير ما تقدم في أنواع أدلة القرآن، وهو: تحريمه سبحانه الظلم على نفسه.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) ح (٢٥٧٧)، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر به. وفيه عقب الحديث: قال سعيد [يعني ابن عبد العزيز]: "كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جَثا على ركبتيه".
[ ١ / ٣٦٢ ]
تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة؛ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابٌ أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله ﷿ من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا) (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٤٨)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة ﴿ق﴾ (٦/ ١٣٨) ح (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٦) ح (٢٨٤٦)، وفي هذا الحديث دلالة أخرى على المقصود، وهي وضعه ﷾ الشيء في موضعه الذي يناسبه، وهذه حقيقة العدل. وقد أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في كتاب التوحيد ح (٧٤٤٩) بلفظ: (ولكل واحدة منكما ملؤها؛ قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من =
[ ١ / ٣٦٣ ]
وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها) (^١).
وحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (^٢).
_________________
(١) = يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد، ثلاثًا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ. . .)، وهذا اللفظ مشكل، لأن المعروف الذي اتفق عليه الشيخان أن الإنشاء يكون للجنة لا للنار. قال ابن القيم ﵀: "وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقى فيها فتقول: هل من مزيد؛ فغلط من بعض الرواة؛ انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده؛ فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته وكذب رسله". حادي الأرواح (٢/ ٨٠١)، وانظر (٢/ ٧٥٤) منه، وأنكر هذا اللفظ أيضًا: البلقيني، انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٣٧)، وانظر كلامًا مفصَّلًا نفيسًا حول هذا الحديث لابن الوزير في إيثار الحق (٢١٦ - ٢٢١).
(٢) رواه مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا (٤/ ٢١٦٢) ح (٢٨٠٨).
(٣) تقدم تخريجه ص (٣٨)، وهو صحيح.
[ ١ / ٣٦٤ ]