دل على هذه القاعدة الأدلة العامة على النهي عن القول والجدال في الدين بغير علم، وكذا الأدلة على وجوب اتباع ما جاء به النبي ﷺ دون غيره.
فمن أدلة النوع الأول:
- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
قال ابن كثير ﵀: "ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" (^١).
- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩].
فنهى ﷾ عباده عن اتباع خطوات الشيطان، مبينًا لهم أن من مكائده في إغوائهم أن يأمرهم بالقول على الله بغير علم، فدل على تحريمه.
قال ابن كثير ﵀: "أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا" (^٢).
- وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(٢) المصدر السابق (٢/ ١٤٦).
[ ١ / ٨٣ ]
يخبر ﷾ في هذه الآية عن حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع؛ أنهم يخاصمون في الدين بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى (^١)، وهذا على سبيل الذم لهم.
ويدل كذلك لما نحن بصدده - دلالة أظهر - ما تقدم من قوله ﷾: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (^٢).
ومما لا شك فيه أن أولى ما يدخل في النهي عن القول بغير علم الكلام في مسائل الاعتقاد، ومن أولى ذلك الكلام في القدر لأمور:
الأول: النهي الخاص عن الخوض فيه كما تقدم.
الثاني: الارتباط الوثيق بين باب القدر وسائر أبواب الاعتقاد الأخرى، وكذلك الارتباط بين الشرع والقدر.
الثالث: خطورة باب القدر؛ فالزلل فيه هُوَّة عميقة ضلَّ فيها خلق لا يحصيهم إلا الله ﷾، وهذا دليل واقعي على أن الخوض فيه بلا مستند من الوحي لا يؤدي إلى خير؛ ينضم إلى الأدلة الشرعية في النهي عن ذلك.
وقد تقدم شيء من هذا لكن اقتضى المقام إعادة الكلام فيه، وبالله التوفيق.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٠/ ١٩ - ٢٠).
(٢) انظر ص (٦٥).
[ ١ / ٨٤ ]
ومن أدلة النوع الثاني:
- قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
قال السعدي ﵀: "وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعيَّن على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحِل مخالفته، وأن نصَّ الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله" (^١).
- وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].
عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة" (^٢).
ويدخل في هذا: الآيات التي فيها الأمر برَدِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ويدخل في هذا كله: الكلام في القدر؛ يحرُم الخروج فيه عما جاء به النبي ﷺ، وكذلك يجب رد النِّزاع فيه إلى الله ورسوله، والله أعلم.
_________________
(١) تفسير السعدي (٤/ ١٨٠٣).
(٢) رواه ابن جرير (٢١/ ٣٣٥).
[ ١ / ٨٥ ]