تقسيم القدر إلى مراتب لم يأتِ في الشرع منصوصًا عليه، وإنما عرَفه أهل العلم بالاستقراء والتتبع للنصوص الشرعية الواردة في القدر، وكذا توَقُّف الإيمان بالقدر على إثباتها لم يرد بخصوصه النص، وإنما وردت هذه المراتب في غضون النصوص، وورد معها وجوب الإيمان بها، فدل على أن الإيمان بالقدر متوقف على إثباتها.
فمن الأدلة على المرتبة الأولى "مرتبة العلم":
من القرآن:
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومن السنة:
حديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا وفى يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار). . . الحديث (^١).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٦/ ١٧٠ - ١٧١) ح (٤٩٤٥ - =
[ ١ / ١٠٢ ]
حديث ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (^١).
حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رجل: يارسول الله! أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم) قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كل يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له) (^٢).
ومن الأدلة على المرتبة الثانية "مرتبة الكتابة":
من القرآن:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧].
وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢].
ومن السنة:
حديث ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ
_________________
(١) = ٤٩٤٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٩) ح (٢٦٤٧).
(٢) رواه البخاري: كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٧)، ورواه مسلم بلفظه من حديث أبي هريرة ﵁ ح (٢٦٥٩).
(٣) رواه البخاري: كتاب القدر، باب جف القلم على علم الله (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٦)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩).
[ ١ / ١٠٣ ]
يومًا فقال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْه تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف) (^١).
وحديث جابر ﵁ قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعشُم؛ قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) قال: ففيم العمل؟ قال: زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر) (^٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى؛ ويصدِّق ذلك الفرج ويكذِّبه) (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، باب (٤/ ٢٨٥) ح (٢٥١٦)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣١٦).
(٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩).
(٣) رواه مسلم: كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره (٤/ ٢٠٤٦) ح (٢٦٥٧).
[ ١ / ١٠٤ ]
ومن الأدلة على المرتبة الثالثة "مرتبة المشيئة":
من القرآن:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦].
ومن السنة:
حديث حذيفة بن أَسيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجِلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يَزيد على ما أُمِر ولا يَنقُص) (^١).
وحديث أبي قتادة ﵁ حين ناموا عن الصلاة؛ وفيه قول النبي ﷺ: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء) (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٧) ح (٢٦٤٥).
(٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٩/ ١٣٩) ح (٧٤٧١).
[ ١ / ١٠٥ ]
وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ الله تعالى لها خلقًا مما يشاء) (^١).
ومن الأدلة على المرتبة الرابعة "مرتبة الخلق":
من القرآن:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
ومن السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهبَ يخلُق كخَلْقي! فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو شَعِيرة) (^٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك؛ تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢٠٤٦) ح (٢٦٥٧).
(٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٩/ ١٦١) ح (٧٥٥٩)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان. . . (٣/ ١٦٧١) ح (٢١١١).
[ ١ / ١٠٦ ]
ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ أيضًا عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو يَكتُب على نفسه، وهو وَضْعٌ عنده على العرش إن رحمتي تغلب غضبي) (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤/ ١٣١) ح (٣٣٢٦)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٤/ ٢١٨٣) ح (٢٨٤١).
(٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٩/ ١٢٠) ح (٧٤٠٤)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٣/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).
[ ١ / ١٠٧ ]