دل على شمول علم الله ﷾ الكتاب والسنة وإجماع السلف.
فمن أدلة الكتاب:
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
ومن أدلة السنة:
حديث ربعي بن حراش ﵀ عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟. . . الحديث، وفيه قوله للنبي ﷺ: فهل بقى من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: (قد علم الله ﷿ خيرًا، وإنَّ من العلم ما لا يعلمه إلا الله؛ الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ
[ ١ / ١٤١ ]
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) (^١).
وحديث أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ: (أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. . .) الحديث وفيه: (فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حَرْف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) (^٢).
حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. ويسمي حاجته) (^٣).
فذكر علمه العلم مقرونًا بوصفه بأنه علام الغيوب، وهذا يعم كل ما
_________________
(١) رواه أحمد (٣٨/ ٢٠٦) ح (٢٣١٢٧) من طريق منصور عن ربعي به، وهذا إسناد صحيح. قال الألباني في الصحيحة (٦/ ٤٧٨): "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين غير الرجل العامري، وهو صحابي فلا يضر الجهل باسمه".
(٢) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉ (٤/ ١٥٤) ح (٣٤٠١)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ (٤/ ١٨٤٧) ح (٢٣٨٠).
(٣) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة (٨/ ٨١) ح (٦٣٨٢).
[ ١ / ١٤٢ ]
صح أن يسمى علمًا، ثم ذكر علمه بالشيء المعين.
وأما الإجماع، فممن نقله:
- المزني ﵀، قال - بعد أن ذكر جُمَلًا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنها: "أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فالخلق عاملون بسابق علمه ونافذون لما خلقهم له من خير وشر" -: "هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضا" (^١).
- الأشعري ﵀، قال: "وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجَهمية (^٢) والمعتزلة والحرورية على أن لله علمًا لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل: كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علمًا خالف المسلمين، وخرج به عن اتفاقهم" (^٣).
- شيخ الإسلام ﵀، قال - بعد أن ساق آيات في تعلق علم الله
_________________
(١) شرح السنة (٧٩ و٨٨).
(٢) هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي، من أبرز عقائدهم: تعطيل الأسماء والصفات، والقول بخلق القرآن، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار، والقول أن الإيمان هو المعرفة فقط، انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٥/ ٧٣)، والملل والنحل (١/ ٩٧)، إلا أن هذه التسمية صارت تطلق على كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩)، و(١٤/ ٣٥٢).
(٣) الإبانة عن أصول الديانة (٤٢).
[ ١ / ١٤٣ ]
بالمخلوقات بعد وجودها -: "هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون" (^١).
هذه بعض أدلة العلم، وبالجملة فكل دليل على القدر بصفة عامة، أو على مرتبة من مراتبه؛ فهو دليل على العلم وشموله، لأن مراتب القدر كلها تدل على العلم كما تقدمت الإشارة إليه (^٢).
_________________
(١) درء المعارض (٩/ ٣٩٦).
(٢) انظر ما تقدم ص (١١٠).
[ ١ / ١٤٤ ]