تضمنت هذه القاعدة مسألتين:
الأولى: أن ما في اللوح المحفوظ لا يقبل المحو والإثبات.
الثانية: وقوع ذلك في صحف الملائكة.
فأدلة الأولى: هي كل دليل دل على الفراغ من المقادير، مثل قوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: (يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَر) (^١).
ومثل قوله ﷺ لابن عباس ﵄: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْه تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف) (^٢).
وحديث جابر ﵁ قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعشُم؛ قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال: ففيم العمل؟ قال: زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر) (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب النكاح، باب ما يُكره من التبتل والخصاء (٧/ ٤) ح (٥٠٧٦).
(٢) تقدم تخريجه ص (١٠٤)، وهو صحيح.
(٣) تقدم تخريجه ص (١٠٤)، وهو صحيح.
[ ١ / ٢١٣ ]
وأما أدلة الثانية؛ فيمكن تقسيمها إلى قسمين:
أدلة على ذات المحو والإثبات؛ وتتضمن إثبات المحو والإثبات:
كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فجمع سبحانه في هذه الآية بين وقوع المحو والإثبات فيما دون اللوح المحفوظ، وبين عدمه فيه، كما قال ابن عباس ﵄ وعكرمة ﵀: "كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب" (^١).
قال ابن أبي العز ﵀: "وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحُمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨، ٣٩]، على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: اللوح المحفوظ. ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، أي: من ذلك الكتاب، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١]، على الراجح في تفسيرها، فيكون مرجع الضمير في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إلى المعمر نفسه، أي وما ينقص من عمره على الحقيقة، فالمراد بالنقص: النقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة: الزيادة في العمر المكتوب.
قال الشوكاني ﵀: "والأولى أن يقال: ظاهر النظم القرآني أن تطويل
_________________
(١) رواهما ابن جرير (١٣/ ٥٦٢).
(٢) شرح الطحاوية (١/ ١٣١ - ١٣٢).
[ ١ / ٢١٤ ]
العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره؛ لأسباب تقتضي التطويل وأسباب تقتضي التقصير.
فمن أسباب التطويل: ما ورد في صلة الرّحم عن النبيّ ﷺ ونحو ذلك، ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله ﷿، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلًا سبعين سنة؛ فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكلّ في كتاب مبين" (^١).