دل على هذه القاعدة الكتاب العزيز، ويمكن تقسيم أدلته إلى قسمين:
الأول: إخباره ﷾ بقدرته على ما عَلم أنه لا يفعله:
قوله ﷾: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزل على رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: (أعوذ بوجهك) فلما نزلت: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: قال: (هاتان أهون) أو (أيسر) (^١).
فبين النبي ﷺ أن الله سبحانه عافى الأمة من أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، مع إخبار الله ﷾ أنه قادر على ذلك (^٢).
وقوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، أي لقادرون أن نذهب به فتهلكوا عطشًا، وتخرب أرضوكم، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريًا (^٣)، ومعلوم أنه لم يذهب به (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب في قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٩/ ١٠١) ح (٧٣١٣).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠ و٤٩٩)، منهاج السنة (٣/ ٢٧١).
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٢٧).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠).
[ ١ / ٢٥٧ ]
الثاني: إخباره ﷾ أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفَعَلَها، ومن ذلك:
قوله ﷾: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].
وقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما لا يكون أنه لو شاء لفعله. . . وأمثال هذه الآيات تبين أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفعلها، وهذا يدل على أنه قادر على ما عَلم أنه لا يكون، فإنه لولا قدرته عليه لكان إذا شاء لا يفعله، فإنه لا يمكن فعله إلا بالقدرة عليه، فلما أخبر - وهو الصادق في خبره - أنه لو شاء لفعله؛ عُلم أنه قادر عليه وإن عَلم سبحانه أنه لا يكون، وعُلم أيضًا أن خلاف المعلوم قد يكون مقدورًا" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (٨/ ٥٠٠).
[ ١ / ٢٥٨ ]