قبل بيان الفرق بينهما يحسُن أن يُعرَّف معنى القضاء لغةً.
فالقضاء: مصدر قَضى يَقْضي قَضَاءً، بالمدِّ ويُقصر؛ وهو في اللغة على ضروب من المعاني؛ كلُّها تَرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامِه، فكل ما أحكم عمله أو أتم أو ختم أو أدي أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضي.
ومن معانيه كذلك: القطع والفصل والصنع والتقدير والحتم والأمر والوصية والعهد (^١).
وأما الفرق بينه وبين القدر:
فقبل تحرير الفرق بينهما لا بد من التنبيه على أمرين:
١) أن الخلاف في هذه المسألة يسير ولا يترتب عليه كبير أثر.
٢) أن مجال البحث إنما هو القضاء الكوني القدَري، لا الدِّيني الشرعي.
قد اختلف أهل العلم في الفرق بينهما على قولين:
القول الأول: أنه لا فرق بينهما، أي هما مترادفان، فالقضاء هو القدر، والقدر هو القضاء؛ فإن القدر في اللغة مرجعه إلى مَبْلَغ الشيء وكُنهه ونهايته، والقضاء مرجعه إلى انقطاع الشيء وتمامِه كذلك.
وأيضًا هما كذلك في لسان الشرع؛ فإن الشارع يستعمل أحدهما مكان الآخر، فقد استعملهما جميعًا في التقدير السابق، كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
وهما كذلك في كلام السلف، ومن ذلك:
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢١١)، ولسان العرب (٢٠/ ٤٦)، والكليات (٧٠٥).
[ ١ / ٢٩ ]
- قول الحسن بن علي ﵄: "قُضي القضاء، وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا" (^١).
- قول الحسن البصري ﵀: "جفَّ القلم، ومضى القضاء، وتمَّ القدر، بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وبسعادة من عمل واتقى، وبشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله ﷿ للمؤمنين، وبالتَّبْرئة من الله ﷿ للمشركين" (^٢).
فهذان الإمامان قد عبَّرا بالقضاء مكان القدر؛ مما يدل على أنه لا فرق بينهما عندهم.
وأيضًا هما كذلك في لسان الناس؛ فإنهم ما يزالون يقولون: هذا قدر الله، وهذا قضاء الله، وهذا قضاء الله وقدره.
القول الثاني: أن بينهما فرقًا، وقد اختلف أصحاب هذا القول في ماهية هذا الفرق، فقال بعضهم: الفرق هو أن القدر سابق على القضاء؛ فالقدر هو ما قدَّره الله ﷿ في الأزل أن يكون على ما سبق به علمه، والقضاء هو وقوع ذلك المقضي على وفق ما قُدِّر سابقًا.
قال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع" (^٣).
وقال مرعي الكرمي ﵀: "القدر عبارة عن سبق علم الله تعالى
_________________
(١) رواه عبد الله في السنة (٢/ ٤٠٥) رقم (٨٨١)، والفريابي (٨٨) رقم (٩٩).
(٢) رواه الفريابي (٨٨) رقم (١٠٠)، وابن بطة (٢/ ١٩٤) رقم (١٧٠٥).
(٣) المفردات (٦٧٥).
[ ١ / ٣٠ ]
بالمقدور. . . والقضاء عبارة عن خلق الله تعالى لذلك المقدور" (^١).
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].
قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فرغ من خلقهن سبعَ سمواتٍ في يومين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي: فُرِغ منه؛ فأُدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ (^٤).
وقيل العكس، أن القضاء سابق على القدر.
قال الكَفوي ﵀: "القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد. . . والقدر هو تفصيل هذا
_________________
(١) إتحاف ذوي الألباب (ق ٢١/ أ).
(٢) تفسير ابن كثير (١٣/ ٣٠٤).
(٣) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٩٢).
(٤) تفسير البغوي (٤/ ٣٤٥).
[ ١ / ٣١ ]
الحكم" (^١).
وقال الجُرجَاني ﵀ (^٢): "والفرق بين القدر والقضاء: هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها" (^٣).
وقال: "القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال" (^٤).
وقال ابن حجر ﵀: "وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلِّي الإجمالي في الأزل، والقدَر جزئياتُ ذلك الحكم وتفاصيلُه" (^٥).
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
قال ابن عباس ﵄: " ﴿أَجَلًا﴾: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: الآخرة" (^٦).
_________________
(١) الكليات (٧٠٦)، والكَفَوي هو: أبو البقاء، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، من أهل بلدة (كفه) التركية، له كتاب: "الكليات"، مات في اسطنبول سنة (١٠٩٤ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٣٨)، ومعجم المؤلفين (١/ ٤١٨).
(٢) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الحسيني الحنفي، المعروف بالشريف الجرجاني، من كتبه: "التعريفات" و"شرح مواقف الإيجي"، مات في شيراز سنة (٨١٦ هـ). انظر: الضوء اللامع (٥/ ٣٢٨ هـ)، والأعلام (٥/ ٧).
(٣) التعريفات (١٨٠).
(٤) المصدر السابق (١٨١).
(٥) فتح الباري (١١/ ٤٧٧).
(٦) رواه ابن جرير (٩/ ١٥١).
[ ١ / ٣٢ ]
وهذا في القدر السابق بلا إشكال، ولذلك قال ابن كثير ﵀ بعد حكاية هذا القول عن ابن عباس وغيرِه: "وقول الحسن في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: ما بين أن يموت إلى أن يبعث: وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص؛ وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام؛ وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
قال ابن كثير ﵀: "يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرةً واحدةً فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد" (^٢).
والأظهر في ذلك والله أعلم أن القضاء والقدر من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت (^٣)، وهذا هو جواب ما جاء في النصوص من إطلاق القضاء مكان القدر.
فإذا اجتمعا؛ فيراد بالقدر: التقدير السابق، ويراد بالقضاء: وقوع المقضي على وفق ذلك التقدير.
ومع ذلك فهما متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر.
قال الخطابي ﵀: "وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ٩).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٣٩).
(٣) انظر: فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٧٩ - ٨٠).
[ ١ / ٣٣ ]
أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (^١).
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ٣٢٣)، وانظر: النهاية في غريب الأثر (٤/ ٧٨).
[ ١ / ٣٤ ]