هذه القاعدة - كما تقدم - أصل عظيم من الأصول التي يجب القيام بها حتى يستقيم الاعتقاد الحق في باب القدر، وهذه القاعدة مبناها على مسألة الحكمة؛ إذ الخوض في القدر هو البحث في تعليل أفعال الله، فمن أثبت الحكمة وآزر هذا الإثبات بالعمل بمقتضى هذه القاعدة نجا وأفلح، ومن خاض في القدر فقد ركب المحظور، فإذا انضم إلى ذلك نفي الحكمة والتعليل فهي الحالقة.
ولم يجتمع هذان الأصلان إلا لأهل السنة والجماعة بخاصة، وأما سواهم فهم مخالفون فيهما بين مستقل ومستكثر.
ولما كانت مخالفتهم جميعًا من نفس الباب، وهو الخوض في القدر؛ فسأعرض وجه مخالفة كل طائفة، ثم أتبع ذلك برد عام عليهم.
فقد خاض الأَشَاعرة (^١) في القدر، وتشعبت بهم الطرق في باب الحكمة والتعليل، وخلصوا إلى إنكار حكمة الله سبحانه، وأنه تعالى يفعل لمحض
_________________
(١) الأشاعرة هم: فرقة من فرق أهل الكلام، تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري في طوره الثاني لما انتحل قول ابن كلاب، من أشهر عقائدهم: نفي الصفات إلا صفات سبع، فهم معطلة جهمية، والقول بالإرجاء، والقول بالجبر، وهم في جملة مقالاتهم يتذبذبون بين المعتزلة وأهل السنة، وهم أقرب فرق الضلال إلى أهل السنة وليسو منهم، تطور المذهب الأشعري بعد أبي الحسن وانحرف عن جادة الصواب أكثر، ومن روَّاد هذا الانحراف: الجويني والرازي، فأُدخل عليه أشياء محدَثة، كتقديم العقل على النقل، ومذهب الأشاعرة متذبذب مضطرب. انظر جملة من عقائدهم في: الملل والنحل (١/ ١٠٦)، وانظر بحثًا عن نشأتهم وعقيدتهم في: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٤٣٧) وما بعدها.
[ ١ / ٧٤ ]
المشيئة وصرف الإرادة، وأنكروا الأسباب، وبناءً على هذا أنكروا ثبوت صفات في الأفعال بها تحسُن وتقبُح، وجوزوا أن يأمر الله ﷾ بالكفر والشرك والفسوق وأنواع المخالفات، وأن ينهى عن الإيمان والتوحيد وصنوف الطاعات، وهذا مبني عندهم أيضًا على إنكار ما دلت عليه النصوص من انقسام الإرادة إلى كونية وشرعية (^١).
وخاض المعْتَزلة (^٢) ومن وافقهم في القدر بالباطل، وكان من ثمار هذا الخوض أن أنكروا أن تكون لله سبحانه حكم يرجع إليه منها وصف ويشتق له منها اسم، بل لم يثبتوا إلا حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه، وقالوا باستحقاق المكلفين للثواب والمدح على فعل ما حسن في العقل، واستحقاقهم للذم والعقاب على فعل ما قبح في العقل ولو لم يرد بذلك نص.
ثم وقعوا نتيجة خوضهم هذا فيما هو أشد، إذ قاسوا الله سبحانه بخلقه، فأوجبوا اللطف والصلاح والأصلح ونحو ذلك، فاجتمع فيهم نوعان من الخوض المحرم:
- الخوض في أفعال الله سبحانه في التعليل.
_________________
(١) سيأتي الكلام على هذه المسائل في مواضعها من البحث بعون الله.
(٢) هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، من عقائدهم: القول بالقدر، ونفي الصفات والقول بأن أسماء الله أعلام محضة، والقول بخلق القرآن، والقول بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، والقول بتخليد عصاة الموحدين في النار، والقول بالخروج على الأئمة، مُضَمَّنة تحت أصول خمسة هي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم فرق كثيرة. انظر: التنبيه والرد (٣٦)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، والفرق بين الفرق (١٠٤).
[ ١ / ٧٥ ]
- قياس أفعال الله سبحانه على أفعال خلقه، فيحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم، فالمعتزلة مشبهة في الأفعال جهمية في الصفات (^١).
وهذا النوع الثاني وقع فيه الأشاعرة أيضًا، فإنهم ما جوزوا أمر الله بالقبيح ونهيه عن الحسن إلا لما انقدحت في أنفسهم مقالة المعتزلة، فأخذت من نفوسهم مأخذًا، فهرعوا إلى إنكارها، على طريقتهم في مقابلة المعتزلة بالضد، فهما طرفا نقيض في هذا الباب.
وخاض الصُّوْفية (^٢) هذا الخوض المحرم، وكان من ثمراته عليهم أن أخذوا من معين الأشاعرة نفسه، وهو معين الجَهْم بن صَفْوان (^٣) الذي غلا في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٥)، وحادي الأرواح (١/ ٢٤)، وسيأتي الكلام على هذه المسائل في مواضعها من البحث بإذن الله.
(٢) الصوفية: نسبة إلى الصوف، وهي الآن فرقة من الفرق المخالفة لطريقة السلف، من أبرز وجوه هذه المخالفة: جعلهم توحيد الربوبية غاية السالكين، مع قولهم إن الأولياء يملكون تصرفًا في الكون، والغلو في المشايخ، وتقديس القبور والأضرحة، والدعاء والاستغاثة بغير الله، وتجويزهم رؤية الله سبحانه في الدنيا، ورفعهم الأولياء فوق الأنبياء، وفريق منهم قال بالقدر، ولم يسلم أحد منهم من مخالفة في القدر، وهم فرق؛ وهم دركات؛ فمنهم القريب إلى أهل السنة ومنهم الغلاة كابن سبعين وابن عربي. انظر نشأتهم وأطوارهم وحكاية عقائدهم في: موقف ابن تيمية من الصوفية، لمحمد العريفي (١/ ٢١٥) وما بعدها.
(٣) هو: أبو محرز، الجهم بن صفوان الراسبي مولاهم السمرقندي، أسُّ الضلالة ورأس الجهمية، قيل: إن سلَم بن أحوز قتله سنة (١٢٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، ولسان الميزان (٢/ ٥٠١).
[ ١ / ٧٦ ]
الجبر فزعم أن العبد مجبور على فعله، وهو كالريشة في مهب الريح، وأنكر الحكمة، بل هو أول من أنكرهها، وزعم أن المشيئة هي عين الإرادة، فكل ما شاءه فقد أحبه.
وستأتي حكاية مذاهب المخالفين لأهل السنة في كل مسألة من هذه المسائل في محلها من البحث إن شاء الله، وإنما المقصود التنبيه على أن الخوض المحرم في القدر جرَّهم إلى مقالات باطلة ومذاهب منحرفة عن مراد الله والرسول؛ فها هنا أمران أصل وفرع، فالأصل هو الخوض المحرم، والفرع هو آحاد تلك المسائل.
وأما الرد على هذا الأصل وبيان بطلانه فمن وجوه:
أولها: أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت - كما تقدم - على أن الخوضَ في القدر على هذا النحو محرمٌ.
الثاني: أن أقوال السلف من الصحابة والتابعين - كما تقدم أيضًا - دلت على حرمة هذا الخوض أيضًا، فاجتمع الكتاب والسنة مع فهم السلف على ذلك، فماذا بعد ذلك من حجة.
الثالث: أن الخوض في القدر على هذا النحو هو خوض فيما ليس للعقل فيه مدخل، وما ليس للعقل فيه مدخل، ولا للشرع فيه مدخل؛ فالطرق إليه مسدودة، والخوض فيه تهوُّر وتهوُّك.
الرابع: أن انخرام مذهبكم في القدر كله وكذا في أبواب أخرى من الدين إنما كان بسبب هذا الخوض المحرم، في حين أن من سلم منه سلم له مذهبه واطرد، فهذا يدل على بطلان هذا الخوض، إذ هذا فرع عن ذاك كما تقدم.
[ ١ / ٧٧ ]