يخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة من يخالفهم في باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال؛ لما تقدم من العلاقة بينها وبين هذه القاعدة، إذ هذه القاعدة من القواعد الجامعة في باب القدر.
فهذا المعنى الذي تضمنته القاعدة وهو كون الرب سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا؛ إنما أقر به أهل السنة فقط.
والمخالفة البارزة مخالفة القدرية المعتزلة؛ فإنهم لما كانوا يرون أن الله سبحانه لا يضل أحدًا ولا يهديه؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين، لكن التيسير لليسرى يكون بألطاف من الله - مع ذلك - تحمل على الطاعة، والتيسير للعسرى يكون بالحرمان من تلك الألطاف.
قال القاضي عبد الجبار: "المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أعلمها وبين لها الفجور لتجتنب ذلك، والتقوى لتُقدِم عليها" (^١).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]: "المراد باليسرى: الثواب العاجل والآجل، وبالعسرى: العقاب العاجل والآجل. . . ويحتمل أن يكون المراد فيمن صدق بالحسنى: تيسيره للألطاف التي لأجلها يثبت على الإيمان، وفيمن كذب الحسنى تيسيره لأمور
_________________
(١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٤٦٤).
[ ١ / ٣٥٤ ]
لأجلها يفضل الثبات على ما هو عليه" (^١).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]: "ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما" (^٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]: "فسنهيؤه لها، من يسَّر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله ﵇: (كل ميسر لما خلق له) والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها".
وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]: "فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدَّه" (^٣).
وما ذهبوا إليه باطل، إذ أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على ثبوت هداية الله لخلقه وإضلالهم، وسيأتي ذكر شبه المعتزلة والرد عليها في مبحث الهدى والضلال، كما سيأتي في مبحث النعمة الخاصة ذكر مرادهم باللطف والتوفيق والرد عليه بإذن الله.
_________________
(١) المصدر السابق (٤٦٥).
(٢) الكشاف (٦/ ٣٨٢).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٣٨٦).
[ ١ / ٣٥٥ ]