تقدم أن تنزيه الله عن الظلم مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه.
فذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، ومثل كون الشيء موجودًا معدومًا، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن.
قال البَاقِلاني (^١): "الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما يكون كذبًا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا" (^٢).
وقال الغزالي: "الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فحلى ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى، أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، فلا يتصور من الإنسان أن يكون ظالمًا في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع، فيكون ظالمًا بهذا المعنى، فمن
_________________
(١) هو: أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، المعروف بالباقلاني، أو ابن الباقلاني الأشعري، من كتبه: "الإنصاف"، و"التقريب والإرشاد"، مات سنة (٤٠٣ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).
(٢) الإنصاف (١٥٠).
[ ١ / ٣٧٤ ]
لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره، ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره؛ كان الظلم مسلوبًا عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك؛ فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات" (^١).
وقال الآمدي: "الظلم وكل صفة منقصة مسلوبةٌ عنه لامتناع اتصافه بها، وذلك على نحو سلب الظلم والعبث عن الحيوانات والجمادات وغير ذلك من النباتات؛ إذ الظلم يتصور ممن يصادف تصرفه ملك غيره من غير علمه، أو مخالفة من هو داخل تحت تصرفه وحكمه، وذلك كله منفي عن الباري تعالى" (^٢).
وقال ابنُ المنيِّر (^٣): "ولا معنى للظلم إلا التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والعباد ملك الله تعالى، فكيف يتصور حقيقة الظلم منه" (^٤).
وقال الإيجي: "وتصرفه تعالى فيما هو ملكه كيف كان لا يكون ظلمًا" (^٥).
واحتج الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما منتف عن الرب سبحانه؛ إذ كل
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد (١٨٣ - ١٨٤).
(٢) غاية المرام في علم الكلام (٢١٣ - ٢١٤).
(٣) هو أبو العباس، أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار الإسكندري المالكي، المعروف بابن المنيِّر، الأشعري، ولد سنة (٦٢٠ هـ)، من كتبه: "البحر المحيط"، و"الانتصاف من صاحب الكشاف"، مات سنة (٦٨٣ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٤٩١)، وبغية الوعاة (١/ ٣٨٤).
(٤) الانتصاف (بحاشية الكشاف) (٥/ ٣١٦)، وانظر: (١/ ١٦٦) منه.
(٥) المواقف (٣٢٢).
[ ١ / ٣٧٥ ]
ما سوى الله سبحانه ملك له، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: أن الصواب في تعريف الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه - كما تقدم بيانه - لا ما ذكروا، وحصرهم للظلم في التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الواجب طاعته لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا لغة، بل قولهم مردود بالكتاب والسنة واللغة.
الثاني: أن دعوى امتناع الظلم منه سبحانه غير صحيحة، بل الظلم ممكن إلا أن الله تنزَّه عنه، وقد تقدم بيان ذلك (^١).
الثالث: أن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة مبني على مذهبهم الباطل في التحسين والتقبيح، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ولا مدخل للعقل في ذلك، فعندهم لو أمر الشارع بالزنا والكفر لحسن ذلك، ولو نهى عن التوحيد والعفة لحسن ذلك لأمر الله ﷾، وعلى مذهبهم الباطل في نفي الحكمة والتعليل، وسيأتي بيان ضلالهم في هذين البابين، وما بُني على باطل فهو باطل.
الرابع: أن التصرف في ملك الغير وكذا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته ليس بظلم دائمًا، بل قد يكون هو العدل، وهذا بيِّن، ويدل للأول: ما جاء في الشرع من الحجر على مال السفيه؛ فإنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وليس ظلمًا باتفاق العقلاء بل عدل ومنفعة.
ويدل للثاني: حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٣٧١ - ٣٧٢).
[ ١ / ٣٧٦ ]
سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا له، ثم قال أوقدوا نارًا فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف) (^١)، فقد بيَّن النبي ﷺ وجوب الخروج عن الطاعة إذا كانت في غير المعروف.
ولا مجال للأشعرية بأن ينازعوا بأن هذه الأحكام ثبتت في الشرع، لأن الأول ممدوح عقلًا قبل ورود الشرع لتضمنه حفظ مال السفيه، والثاني كان فعل الصحابة فيه صائبًا قبل ورود الشرع، بدليل استدلالهم بالعقل، ثم جاء إقرار النبي ﷺ لهم.
فهذان دليلان ومثالان على أن التصرف في ملك الغير ومخالفة الآمر قد يكونان عدلًا لا ظلمًا.
وذهبت القدرية المعتزلة إلى أن الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٩/ ٦٣) ح (٧١٤٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٣/ ١٤٦٩) ح (١٨٤٠).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وإنما كان الله سبحانه منزَّهًا عن الظلم عندهم لأن الظلم غير مراد له سبحانه، فهو - عندهم - لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان ولا خلقه، بل العباد أحدثوا ذلك بغير مشيئته، فلما أحدثوا هذه المعاصي استحقوا العقوبة عليها، فعقوبتهم عندئذٍ ليست ظلمًا.
فالإحداث ليس فعله، والعقوبة عليه عدل، ليست بظلم.
وفرَّعوا على هذا أيضًا إنكار هداية الرب سبحانه لخلقه وإضلالهم، لأنه عندهم إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، وكذلك إذا اختص بعض عباده بالإعانة دون بعض كان ظالمًا.
قال القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الظلم كل ضرر لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا استحقاق ولا الظن، للوجهين المتقدمين، ولا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور به، ولا يكون في الحكم من جهة غير فاعل الضرر" (^١).
فشروط الظلم عندهم:
١) أن يكون ضررًا لا نفع فيه ولا دفع ضرر؛ إذ لا يكون ظالمًا من كلف أجيرًا بعمل مضر به في مقابل أجرة يحصل له بها نفع معلوم.
ولا يكون ظالمًا من أضر بأحد مضرة لدفع مضرة أكبر منها، كما يقطع الطبيب اليد المتآكلة إبقاء لحياة المريض.
٢) أن يكون ضررًا غير مستحق، إذ لا يكون ظالمًا من أضر بعقوبة من يستحق هذه العقوبة، كذم الفاسق والكاذب، فإنهما مستحقان للذم.
٣) أن يكون الضرر ليس من جهة المضرور به، إذ ليس بظالم من دفع
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).
[ ١ / ٣٧٨ ]
صائلًا بضربه والإضرار به، لأنه ضرر من جهة المضرور به.
وهذا الشرط يمكن دخوله فيما تقدم، إذ المدفوع مستحق لأن يدفع ضره.
٤) أن يكون الضرر من جهة غير فاعل الضرر، فلو أن الله سبحانه أمات صبيًا ألقي به في النار لا يكون ظالمًا له، لأن هذه الإماتة كأنها في هذا الحكم من غير جهة الله سبحانه.
وعرَّفه القاضي عبد الجبَّار أيضًا مقابلًا له بضده: "وقد عُلم أن الظلم هو ما يفعله بغيره من المضار القبيحة، فيجب أن يكون العدل ما يفعله الفاعل بغيره من المضار الحسنة وما يجري مجراها" (^١).
ولا فرق في هذا بين أن يكون النفع ودفع الضر ظنيًّا أو معلومًا (^٢).
وهذا المعنى هو المقصود في حق الله عندهم، فالقاضي يعرف العدل في حق الله فيقول: "ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة" (^٣).
وقال أيضًا: "وأما في الاصطلاح، فإذا قيل إنه تعالى عدل؛ فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخلُّ بما هو واجب عليه" (^٤).
وقولهم ما يفعله الفاعل بغيره مبني على قولهم في الحكمة وأنها راجعة إلى المخلوق ولا يعود لله منها وصف، إذ ما يفعله الفاعل بنفسه لا يوصف بكونه
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٥٠).
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٤٥ - ٣٤٦).
(٣) المصدر السابق (٣٠١).
(٤) المصدر السابق (١٣٢)، وانظر: (١٣٣) منه.
[ ١ / ٣٧٩ ]
عدلًا ولا ظلمًا، قال القاضي عبد الجبار: "فصل في بيان وصف الفعل بأنه عدل وحكمة وما يتصل بذلك.
اعلم أن الذي يختص بهذه الصفة من الأفعال كل فعل فعله لينتفع المفعول به على وجه يحسن أو يضر به، وأما ما يفعله الفاعل منا بنفسه لمنفعة أو دفع مضرة فإنه لا يوصف بذلك" (^١).
فمما تقدم يظهر أن المعتزلة أحسنوا في إثبات قدرة الرب على الظلم، ولكنهم أخطؤوا في مسألتين:
الأولى: في حقيقة الظلم، فإنهم عرفوه بناءً على تشبيه أفعال الله بأفعال الخلق، وأنه يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم.
الثانية: جعلهم هذا دليلًا وحاملًا على إنكار خلق الله سبحانه لأفعال العباد، لأنه - بزعمهم - إذا كان خالقًا لها ثم عذبهم على القبيح منها فهو ظالم، وفي ذلك يقول القاضي: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب إن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (^٢).
ولا شك في بطلان ما ذهبوا إليه في المسألتين، أما الثانية؛ فلأنه لا يلزم من كون الله خالقًا لأفعال العباد أن يكونوا غير فاعلين لها، أو أن يكونوا مجبورين عليها، بل للعبد قدرة ومشيئة على فعله والله خالقه وخالق قدرته ومشيئته وفعله، وسيأتي في مبحثي خلق الأفعال الرد عليهم في هذا.
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٤٨).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).
[ ١ / ٣٨٠ ]
ومما يُردُّ عليهم به: أن الإجماع منعقد على أن الله قد خلق لهم الاستطاعة التي وقع بها منهم الظلم والكذب والجور مع علمه أنهم يظلمون بها، فيلزم على مذهبكم هذا أن يسمى بذلك ظالمًا ومعينًا على الظلم (^١).
ومما يُردُّ به عليهم أيضًا: أنه إن كان بخلقه الظلم يسمى ظالمًا فينبغي أن يكون بخلقه حركة الاضطرار يسمى متحركًا، وبخلقه السقم سقيمًا، وهكذا (^٢).
وأما المسألة الأولى، فمن وجوه:
الأول: أن الله سبحانه كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته؛ فليس له مثل في أفعاله، فتشبيه أفعاله بأفعال خلقه باطل.
الثاني: أن الله سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
الثالث: أن تنزه الرب سبحانه عن الظلم من كماله سبحانه، ومن تفضله على خلقه لا أن أحدًا يوجب عليه ذلك.
الرابع: أن الله سبحانه موصوف بالحكمة، والحكيم والحكم من أسمائه، وكل أفعاله منوطة بالحكمة، وما يقع في الوجود من شرور فقد تضمنت من الحكم ما يجعل وجودها خيرًا من عدمها.
ولذلك فإن المعتزلة - كما سيأتي - لما كانوا يرون أنه لا يعود من أفعال الله تعالى إليه وصف وإنما إلى الخلق فقط، فإنهم أوجبوا على الله سبحانه العوض على الآلام التي لا تتضمن حكمة تعود على المتألم كإيلام الأطفال؛ هروبًا من
_________________
(١) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٨٧).
(٢) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ٣٨١ ]
الظلم، وقالوا: العوض عليها يخرجها عن أن تكون ظلمًا بالنسبة لهم (^١).
وقد تقدم في المطلب الأول أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق، وأن إثابة المطيع فضل منه سبحانه وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن أعمال بني آدم ليست عوضًا لثواب الله سبحانه.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٤)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٨٧).
[ ١ / ٣٨٢ ]