لم يخالف في تنزه قضاء الرب سبحانه عن الشر أحد من المنتسبين إلى الإسلام، إلا ما نسب إلى الجهم بن صفوان، من أن الله سبحانه يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه ولا مصلحة لأحد، وقد عزى هذا القول إليه الإمامان: شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - (^١).
وهذا قول باطل مجانب لأصول الإسلام القاضية بتنزه الرب سبحانه عن النقص واتصافه بالكمال.
وأما سائر الفرق المنتسبة إلى الإسلام فعلى القول بتنزيه الرب سبحانه عن أن يكون في قضائه شر، والخلاف مع طائفتين:
الأولى: المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الشرور الواقعة في العالم قسمان:
- الشرور المتعلقة بأفعال العباد وما تولد منها، فهذه عندهم غير مخلوقة لله سبحانه، فليست مما يدخل في القضاء الإلهي أصلًا.
- الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام والسموم وإبليس ونحوها؛ فهذه كلها عندهم حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا لا حقيقة (^٢).
ولذا فقد عرفوا الخير بأنه النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه.
والضرر القبيح هو الضرر المحض الذي لا خير فيه ولا عاقبة حسنة،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٩٩)، وطريق الهجرتين (١/ ٣١٤).
(٢) انظر: طريق الهجرتين (١/ ٣١٤)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣١٢).
[ ١ / ٤٠١ ]
وأما الضرر الحسن فليس بشر، وإنما هو خير لما تضمنه من نفع عظيم وعواقب حميدة.
قال القاضي عبد الجبار مبينًا مذهب المعتزلة في هذا: "فإن قيل: أليس المعلوم على لسان الأمة أن الخير والشر من الله وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره؟ ولا شر أعظم من الكفر والمعاصي؛ فقولوا: إنهما من الله، وإلا خرجتم عن الإجماع.
قيل: إن الخير هو النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه في الأصل، ويجري على غيره مجازًا، ولذلك لا يقال في الضرر الحسن إنه شر، ولذلك لا نصف ما يفعله الله تعالى من العقاب في الآخرة ولا ما أمر به في الدنيا من الذم وإقامة الحدود وغيرها بأنه شر، وعلى هذا الوجه لا يوصف الله تعالى بأنه شرير، وإن أكثر من المضار الحسنة" (^١).
وقال أيضًا: "فأما قول القائل في الشر إنه بقضاء الله، فمتى أراد به الأمراض والفقر فهو مصيب بالإضافة، مخطئ في وصفه بأنه شر بالإطلاق، وإن أراد المعاصي من أفعال العباد فهو مصيب بأنه شر، مخطئ بالإضافة بالإطلاق" (^٢).
وفرَّعوا على تقريرهم هذا مذهبهم في العوض عن الآلام - على ما سيأتي بيانه -.
_________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٨ - ١٧٩)، وانظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤١).
(٢) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٩).
[ ١ / ٤٠٢ ]
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فقالوا: المراد بالحسنة والسيئة الأولى: الخصب والرخاء والشدة والأمراض، وبالحسنة والسيئة الثانية: الطاعات والمعاصي (^١).
فأحسن المعتزلة إذ قالوا بأن قضاء الرب سبحانه منزه عن الشر، لكنهم أساؤوا بأن أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه.
وما ذهب إليه المعتزلة باطل من وجوه:
الأول: أن هذا التفريق بالحكم بين الشرور الناتجة عن أفعال العباد، والشرور الأخرى غير صحيح، وليس عليه دليل، بل لا فرق في ذلك بين ما كان من أفعال العباد وغيرهم، يبينه:
الثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة دلت على أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه - كما سيأتي في موضعه -، فهي مشاركة لسائر الموجودات بأنها مخلوقة لله سبحانه، فكل ما سوى الله مخلوق.
الثالث: أن قولهم: إن الشرور والسيئات إنما يقال أنها شرور مجازًا لا حقيقة، إن أردوا به نفي كونها شرورًا في نفسها، وأنها لم تشتمل على صفات بها تكون شرا فهذا باطل، وإن أرادوا بها أنها ليست شرا محضًا بل هي - لما اشتملت عليه من مصالح ومنافع - خير؛ فهذا حق، وأصول المعتزلة في
_________________
(١) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن (١٠٢)، والمختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤٢).
[ ١ / ٤٠٣ ]
إثبات الحسن القبح العقليين تقضي أنهم أرادوا الثاني، ويدل عليه ما تقدم من قول عبد الجبار.
على أن للمعتزلة في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه تفصيلات مخالفة للصواب، منها وجوب العوض عنها، وستأتي هذه المسألة في مبحث التحسين والتقبيح بعون الله سبحانه.
وأما ما استدلوا به من قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فلا دليل لهم فيه من وجوه (^١):
أولًا: أن الله سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات، وعندهم لا فرق بينهما، بل فعل العبد عندهم - حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله.
ثانيًا: أنه سبحانه جعل الحسنات والسيئات كليهما من الله، فقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، وإنما في الجزاء.
ثالثًا: أن تفريقهم بين الحسنة والسيئة في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، والحسنة والسيئة في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ غير صحيح، ولا دليل عليه، بل تحكم محض، فهذه مثل هذه.
رابعًا: أن المراد بالحسنة والسيئة النعم والمصائب كما تقدم (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
(٢) انظر ص (٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الثانية: الأشاعرة، فقد شارك الأشاعرة أهل الإسلام في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه، لكنهم جعلوا كل ما في الوجود خير وأن الله لم يقدر شرا مطلقًا، والشر الموجود ليس ذاتيًّا.
قال الآمدي: "والوجود من حيث هو وجود خير محض لا شر فيه، وهو ما يقع مرادًا للباري تعالى، وأما الشر من حيث هو شر؛ فليس هو مستندًا إلا إلى اختلاف الأغراض، أو إلى قول الشارع افعل أو لا تفعل كما سنبينه، وذلك مما لا يوجب كونه شرا في نفسه" (^١).
وقال الجويني: "الآلام واللذات لا تقع مقدورة لغير الله تعالى، فإذا وقعت من فعل الله تعالى فهي منه حسن، سواء وقعت ابتداءً أو حدثت منه مسماة جزاء. . . بل ما وقع منهما فهو من الله تعالى حسن، لا يعترض عليه في حكمه" (^٢).
والخير عندهم في الوجود وكماله، والشر في العدم؛ عدم الوجود أو عدم كمال الوجود، فالوجود وكمال الوجود داخلان في القضاء لذاتهما، وأما الشر الذي هو نقص الوجود فهو داخل في القضاء لا بالذات بل بالعرض، وأما العدم المحض فهو شر محض.
يقول الشهرستاني: "الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان [أي الله سبحانه] مريد الخير، وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير، فهو من ذلك الوجه خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في الوجود شر محض، فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير، والعبد يريد الخير والشر.
_________________
(١) غاية المرام (١٤١).
(٢) الإرشاد (٢٧٣).
[ ١ / ٤٠٥ ]
وعن هذا قال الحكماء: الشر داخل في القضا والإرادة بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود، وإنما الداخل في القضا والإرادة بالقصد الأول هو الوجود وكمال الوجود" (^١).
وهذا جار على قاعدتهم في الحسن والقبح، وأن الحسن ما حسنه الشارع، والقبيح ما قبحه، وأنه ليس للأشياء صفات في نفسها بها تحسن وتقبح.
ومذهبهم باطل من وجهين:
الأول: أن إنكارهم وجود الشرور أمر يكذبه واقع الأمر، فالأمراض والأسقام والقتل ونحوها هي شرور بالنظر إلى ذاتها باتفاق العقلاء، وإن كان شرها جزئيًّا وليس محضًا، فهي خير لما تضمنته من حكم ومصالح.
الثاني: أن القول بأن الوجود خير والعدم شر، لا يصح إطلاقه؛ لأن العدم لا شيء حتى يقال إنه خير أو شر، كما أن من الأشياء ما وجوده شر من عدمه وعدمه خير من وجوده (^٢)، وهذا بالنظر إلى ذوات الأشياء، فكفر المؤمن وجوده شر من عدمه، وبعكسه إيمان الكافر وجوده خير من عدمه، وأما بالنظر إلى ما يترتب على الحكمة في أفعال الله سبحانه: فكل ما يفعله فهو خير، وكل ما لم يفعله فليس بخير؛ إذ لو كان خيرًا لفعله، وهذا التفضيل باعتبار الخير الراجح والشر الراجح، إذ قد يترتب على وجود بعض أفراد الخير شر راجح، وقد يترتب على عدم بعض أفراد الشر ضرر راجح، وإلا
_________________
(١) نهاية الإقدام (٢٥٢ - ٢٥٣).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٣١)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٤).
[ ١ / ٤٠٦ ]
فإن الأشياء في نفسها منقسمة إلى خير وشر.
ولما كان الأشاعرة ينفون الحكمة عن أفعال الرب سبحانه؛ فقد انسد عليهم هذا الباب، فصار قولهم إن الموجود خير والعدم شر، كما تقدم في كلامهم.
[ ١ / ٤٠٧ ]