لما كانت هذه القاعدة مرتبطةً بما قبلها، ومتممة لها - إذ الأولى في بيان حرمة التنقير والبحث في مسائل القدر، وهذه في بيان الأصول التي يستمد منها الباب، وهي الكتاب والسنة - فالرد على المخالفين هنا سيكون كما في القاعدة السابقة مجملًا، مع عرض وجه المخالفة عند كل فرقة.
وخصومة أهل السنة هنا مع المتكلمة من معتزلة وأشاعرة وجهمية، إذ أن وصف الكلام إنما أُخذ من اتباع الكلام والعقول والأقيسة المنطقية في مقابل النصوص الشرعية والآثار السلفية (^١)، وذلك أن المتكلمين بنوا مقالتهم على تقديم العقل على النقل، وجعلوه أصلًا كليًّا عنه تفرع منهجهم في التلقي والاستدلال (^٢).
فمع تعظيمهم الغالي للعقل؛ أهملوا العناية بالنقل، وأعرضوا عن كتب الأحاديث والآثار، واشتغلوا عنهما بفلسفة الهند ومنطق اليونان، لذلك فهم من أجهل الناس بهما، وقد اعترف بذلك كبراؤهم، كاعتراف الغَزالي (^٣) بأن
_________________
(١) قال الإيجي معرِّفًا علم الكلام: "والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، بإيراد الحجج ودفع الشبه" وقيد الدينية بكونها منسوبة إلى دين النبي ﷺ، وإن لم تكن هذه النسبة صحيحة في نفس الأمر، لأن الخطأ في تقرير مسألة لا يخرج المتكلم عن هذا الوصف. المواقف (٧)، وانظر: لوامع الأنوار (١/ ٧).
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ٤ - ٦).
(٣) هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي الصوفي الأشعري المتكلم، ولد سنة (٤٥٠ هـ)، من كتبه: "الاقتصاد في الاعتقاد"، و"إحياء علوم الدين"، له هفوات وزلَّات عظيمة، كانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله ومطالعة =
[ ١ / ٨٩ ]
بضاعته في الحديث مزجاة (^١) (^٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر محسوس بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله ﷺ وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم" (^٣).
وسلكوا فيما وصلهم من أحاديث تعارض أصولهم، وتناقض مذاهبهم، مسالك شتى مرجعها إلى مسلكين خطيرين (^٤):
- مسلك الرد، فيطعنون في صحة النص من جهة ثبوته.
- مسلك التأويل، ويلجأ إليه إذا لم يمكن إعمال المسلك الأول، وهذا المسلك فرع عن أصلهم المعتمد؛ ألا وهو ظنية الأدلة النقلية في مقابل قطعية الدليل العقلي.
أما المسلك الأول فأدرجوا تحته أصولًا فاسدة منها:
أولًا: الرد الصريح للنصوص، كما صرح بذلك أئمتهم، كأبي منصور
_________________
(١) = الصحيحين"، مات سنة (٥٠٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، وطبقات الشافعية الكبرى (٦/ ١٩١).
(٢) كما في قانون التأويل له (٣٠).
(٣) انظر: لسان الميزان (٦/ ٣١٨).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٩٥).
(٥) انظر: منهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة (٦٣ - ٩١).
[ ١ / ٩٠ ]
البَغْدادي (^١) حيث قال: "فإن روى الراوي ما يحيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا؛ فخبره مردود" (^٢).
ومثاله ما وقع من عمْرو بن عُبيد (^٣) - أخزاه الله - حيث قال في حديث الرجل الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ثم يذروه في يوم عاصف (^٤)، قال: "ما قال هذا رسول الله ﷺ قط، وإن كان قاله؛ فأنا به مكذب، فإن كان التكذيب به ذنب؛ فأنا عليه مصر" (^٥).
ثانيًا: الإيمان ببعض النصوص دون بعض، وله صور، منها:
- رد أخبار الآحاد، زعمًا منهم أنها لا تفيد العلم، بل تفيد الظن، وما كان كذلك فلا يؤخذ منه اعتقاد، وبهذا يكونون قد ردوا أكثر السنة، إذ أن أخبار الآحاد أكثر عددًا من المتواتر.
_________________
(١) هو: أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي الإسفراييني البغدادي نزيل خراسان، من كتبه: "أصول الدين"، و"فضائح القدرية"، و"الفرق بين الفرق"، مات بإسفرايين سنة (٤٢٩ هـ) انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٢)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٣٧).
(٢) أصول الدين (٢٣).
(٣) هو: أبو عثمان، عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، القدري رأس المعتزلة، دخل مع واصل الغزال، فأعجب به وزوجه أخته، من كتبه: "التفسير"، و"الرد على القدرية"، مات بطريق مكة سنة (١٤٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٦٣)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٥).
(٤) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب (٤/ ١٧٦) ح (٣٤٨١)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) ح (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه الدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (٩٢) رقم (٧).
[ ١ / ٩١ ]
قال الرَّازِي (^١): "أما التمسك بخير الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز"، وجعل من وجوه الدلالة على ذلك: "أن أخبار الآحاد مظنونة، فلا يجوز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته" (^٢).
وقال التَّفْتازاني (^٣): "خبر الواحد -على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه - لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقادات" (^٤).
وقال أبو الحُسيْن البَصري (^٥): "لا يجوز الاقتصار في التوحيد والعدل على الظن دون العلم" (^٦).
_________________
(١) هو: أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين الرازي الشافعي الأشعري، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، قال الذهبي: "وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر"، من كتبه: "مفاتيح الغيب"، و"معالم أصول الدين"، مات بهراة سنة (٦٠٦ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)، وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٨١).
(٢) أساس التقديس (٢١٥).
(٣) هو: مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي، سعد الدين، ولد بتفتازان سنة (٧١٢)، من كتبه: "تهذيب المنطق"، و"مقاصد الطالبين"، مات بسمرقند سنة (٧٩١ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٠)، وبغية الوعاة (٢/ ٢٨٥).
(٤) شرح العقائد النسفية (٨٩).
(٥) هو: أبو الحسين، محمد بن علي بن الطيب البصري من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة، من كتبه: "المعتمد في أصول الفقه"، و"تصفح الأدلة"، مات ببغداد سنة (٤٣٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٤/ ١٦٨)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٨٧).
(٦) المعتمد في أصول الفقه (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).
[ ١ / ٩٢ ]
وذهب النَّظَّام (^١) من المعتزلة إلى إنكار خبر الواحد كذلك، بل أنكر حجية التواتر كذلك والإجماع والقياس (^٢).
- التشهي في اعتماد النصوص، فما وافق هواهم أخذوا به، وما لا ردوه، فالنصوص عندهم للاعتضاد لا للاعتماد.
قال ابن أبي العز ﵀ في وصف حال المعتزلة: "وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية؛ إنما يذكرونها للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول؛ إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها، والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم، وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه" (^٣).
ثالثًا: كتمان النصوص، فطريقة هؤلاء القوم أنهم لا يظهرون من النصوص إلا ما يوافق أهواءهم، وما يخالفها فإنهم لا يذكرونه، بل يكتمونه،
_________________
(١) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم المعتزلي، من كتبه: "الطفرة"، و"النبوة" وأشياء كثيرة لا توجد، اتهم بالزندقة، وكفره جماعة من أهل العلم، مات سنة (٢٣١ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٤٣ - ١٤٤)، وقد قال البغدادي عقب سياقه لهذه الفضيحة من فضائحه: "فكأنه أراد إبطال أحكام فروع الشريعة لإبطاله طرقها".
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٧٩٣ - ٧٩٤).
[ ١ / ٩٣ ]
وهذه سمة عامة لأهل الأهواء، كما قال وكيع بن الجراح ﵀: "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا نُزعت حلاوة الحديث من قلبه" (^٢).
رابعًا: الطعن في نقلة الحديث لإسقاط رواياتهم، فتراهم ينقمون من أهل الحديث نقلهم لما يخالف أهواءهم، فتارة يرمونهم بقلة الفهم، وتارة بأنهم حشوية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى السب الصريح، حتى للصحابة، كما قال يحيى: "قلت لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن عن سمرة - يعني في السكتتين -؟ قال: ما تصنع بسمرة؟ قبَّح الله سمرة" (^٣).
وقال الرازي: "إن أجلّ طبقات الرواة قدرًا وأعلاهم منصبًا: الصحابة ﵃، ثم إنا نعلم أن رواياتهم لا تفيد القطع واليقين" (^٤).
وأما المسلك الثاني: فهو في حقيقته تحريف، وإنما سمَّوه تأويلًا ليلبسوا به على العوام، إذ لفظ التحريف لفظ منفِّرٌ منكرٌ عند الناس، وهذا التحريف
_________________
(١) رواه الدارقطني (١/ ٢٧) ح (٣٦)، ومن طريقه: الهروي في ذم الكلام وأهله (٢/ ٢٧٠) رقم (٣٤٦).
(٢) درء التعارض (١/ ٢٢١).
(٣) رواه الدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (١٠٣) رقم (١٩).
(٤) أساس التقديس (٢١٦)، وقد استدل له بما حدث من خلاف بين الصحابة، وما روي من طعن بعضهم في بعض!
[ ١ / ٩٤ ]
عندهم على صورتين (^١):
- تحريف اللفظ: وهو تبديله، كنصب لفظ الجلالة من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ليكون المتكلم موسى ﵇.
- تحريف المعنى، وهو صرف اللفظ عنه إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ، كتفسير الغضب بإرادة الانتقام، وتفسير اليدين بالنعمة والقدرة.
وقد كان لهذا المنهج الذي سلكه المتكلمون أثره العظيم في باب القدر، فالمعتزلة ومن وافقهم من نفاة القدر جنحوا إلى تعظيم العقل وإضفاء صفة التشريع عليه، وقد برز هذا في باب القدر جليًّا واضحًا في مسائل كثيرة، كمسألة التحسين والتقبيح، فإنهم غلوا في منزلة العقل من كونه آلة يفهم بها النص، ويفهم بها ما أودعه الله في الأشياء من صفات تحسن وتقبح بها، إلى جعله مشرعًا للأحكام، قاضٍ بالمدح والذم والثواب والعقاب الشرعيين.
فلم يقف المعتزلة في فهمهم واعتقادهم في باب القدر على ما جاء في النصوص الشرعية، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، بل جرَوا مع أهوائهم حيث سارت ركابها.
وبنحوهم فعل الأشاعرة، فاعتاضوا في كثير من المسائل عن الأدلة الشرعية بما يقابل عقيدة المعتزلة، فجنحوا إلى سلب دور العقل وغلوا في إثبات الشرع وتعظيمه، وسلبهم للعقل كان سلبًا لكونه وسيلةً لفهم النص، وليس سلبًا لكونه بديلًا للنصوص الشرعية، بدليل أنهم لم يفزعوا إليها، وهذا ظاهر في مقالاتهم وآرائهم، ففي مسألة التحسين والتقبيح التي ذُكرت
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٩٥ ]
آنفًا؛ قابلوا تعظيم المعتزلة للعقل بسلبه خصيصته في تمييز حسن الأشياء وقبحها، وجعلوا الشرع حاكمًا بذلك، لكنهم لم يلجؤوا له على سبيل التحاكم، بل فرارًا من مذهب المعتزلة، بدليل استقلالهم بعقولهم في تجويزهم على الله الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، مع كون النصوص الشرعية قطعية الدلالة على تنزيه الله عمَّا ذكروا.
فقابلوا ضلال المعتزلة بضلال، ومع كلتا الطائفتين شيء من الحق، لكن لم يوفقوا لاستكماله، وإنما استكمله أهل السنة؛ فأخذوا بالحق الذي عندهما، واطرحوا ما عندهم من الباطل، والله الموفق والهادي.
[ ١ / ٩٦ ]