مراتب القدر الأربعة هي الدعائم التي يقوم عليها الاعتقاد الصحيح في هذا الباب العظيم الشريف، فمن أتى بها كاملة فاز وأنجح، ومن لا؛ خسر وهلك، ولا يقتصر تحقيقها على مجرد الإثبات دون تحقيق ما حوته من معان ودلالات.
وإثباتها كاملة على الوجه الصحيح لم يتحقق لغير أهل السنة والجماعة، وسواهم ما بين ناف لها كلها، أو ناف لبعضها، أو مثبت لها على هواه ورأيه دون ما دلت عليه في حقيقة الأمر، على ما سيأتي بيانه.
فذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة؛ فأنكروا العلم السابق وزعموا أن الأمر أُنُف، وهم الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة فتبرؤوا منهم وردُّوا بدعتهم.
وكان أول من قال بهذا القول: معبد الجهني بالبصرة، كما في قصة يَحيى بن يعمر (^١) مع ابن عمر، وفيها قوله: "أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف"، فقال له ابن عمر ﵄: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه؛ ما قَبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" (^٢).
_________________
(١) هو: أبو سليمان ويقال أبو عدي، يحيى بن يعمر الوشقي العدواني البصري، من علماء التابعين، مات سنة (١٢٩ هـ) وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤١)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٠١).
(٢) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ (١/ ٣٦) ح (٨).
[ ١ / ١٢٤ ]
وممن رد عليهم من الصحابة كذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وجابر، وأنس، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم ﵃، وكانوا يوصون الناس بأن لا يسلموا عليهم، ولا يعودوهم إن مرضوا، ولا يصلوا عليهم إذا ماتوا (^١).
وهؤلاء هم غلاة القدرية، وقد اتفق سلف الأمة على تكفيرهم (^٢).
وإنكارهم للعلم متضمن لإنكارهم للمراتب الأخرى، إذ لا كتابة بدون علم، ولا مشيئة ولا خلق.
أما الكتابة فإنما تكون لشيء معلوم، فإذا عدم عدمت من باب أولى.
وأما المشيئة فإنها لا تكون إلا بعد العلم بالمراد، فإذا لم يكن المراد معلومًا فلا مشيئة له عندئذ.
وأما الخلق، فإن الخلق يستلزم العلم بكيفية المراد، وإرادة الخالق له، فإذا انتفى العلم انتفى الخلق لانتفاء العلم به ولانتفاء إرادته أيضًا، فنفي العلم نفي للكتابة ونفي للمشيئة وهو نفي للخلق من باب أولى (^٣).
ولذلك قال وكيع بن الجراح ﵀: "القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال" (^٤)، فجمع ﵀ بين إنكارهم للعلم،
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين (٢١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩١)، درء التعارض (٩/ ٣٩٦)، شفاء العليل (١/ ١٣٠) و(٢/ ٧٨٦).
(٣) وانظر ما تقدم ص (١١٠).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥)، ورواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٢٦١) رقم (١٨٧٨) بلفظ: "القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر المصائب".
[ ١ / ١٢٥ ]
وإنكارهم للكتابة وخلق الأعمال.
ويؤيد هذا أن في حكاية أصحاب المقالات كالبغدادي والإِسفْراييني (^١) والشهْرسْتاني (^٢) (^٣) لمذهبهم ما يتبين منه أنهم خالفوا في مسائل أخر هي أصول في باب القدر، سيأتي التنبيه عليها في موضعها.
فلم تنحصر مخالفتهم في إنكار العلم، بل شملت مسائل أخرى، فهذا يؤيد أن إنكارهم للعلم إنكار للمراتب الثلاث الأخرى، وإنكارهم للمراتب كلها نقض لباب القدر عن آخره، والله المستعان.
ويشبه مقالةَ هؤلاء - بل هي شر منها (^٤) -: مقالةُ الفلاسفة الذين ذهبوا إلى إنكار علم الله سبحانه بالجزئيات، وحصروا علمه بالكليات فقط، أو قالوا: علمه بالجزئيات كلي، وستأتي مقالتهم مع ردها مستوفاة في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) هو: أبو المظفر، طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي، من كتبه: "التفسير"، و"التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين"، توفي سنة ٤٧١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠١)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٦١).
(٢) هو: أبو الفتح، محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري، ولد سنة (٤٦٧ هـ)، قال ابن أرسلان: "عالم كيِّس متفنن، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد، لكان هو الإمام"، من كتبه: "نهاية الإقدام في علم الكلام"، و"الملل والنحل"، مات بشهرستانة سنة (٥٤٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦).
(٣) انظر: الفرق بين الفرق (٣٥)، والتبصير في الدين (٢١)، والملل والنحل (٤٠).
(٤) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧).
[ ١ / ١٢٦ ]
وأما القدرية المعتزلة ومن وافقهم؛ فهم في مقابل الأوائل متوسطة، وهم الذين يثبتون مرتبتي العلم والكتابة، وينفون مرتبتي المشيئة والخلق.
فأنكروا أن يكون الله سبحانه خالقًا لشيء من أفعال الأحياء، من البشر أو الدواب أو الهوام أو غير ذلك، هذا مما اتفق عليه سائر المعتزلة (^١).
بل لم يكتفوا بذلك حتى أنكروا قدرته عليها (^٢)، وإنما تنازعوا هل يقدر على مثلها (^٣).
وأنكروا كذلك إرادته لما وقع من المعاصي: فاجتمع عندهم فيها أمران: عدم خلقه سبحانه لها وعدم مشيئتها.
قال القاضي عبْد الجبَّار (^٤): "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلَيْن" (^٥).
_________________
(١) وهذا في الأفعال المباشرة، وأما في الأفعال المتولدة فاختلفوا فيما بينهم، وسيأتي تقسيمهم هذا في موضعه من البحث إن شاء الله.
(٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٤)، والفصل (٥/ ٥٧).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤).
(٤) هو: أبو الحسن، عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل الهمذاني الشافعي، شيخ المعتزلة، ولي قضاء القضاة بالري، من كتبه: "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، و"تنزيه القرآن عن المطاعن"، مات سنة (٤١٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤).
(٥) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال ابن المرتضى (^١): "وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه" (^٢).
وقال القاضي عبد الجبار في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" (^٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (^٤).
فلما كانت المشيئة عندهم مرادفةً للمحبة، لم يمكنهم القول بأن الله شاء المعاصي، إذ معلوم أن الله لا يحب المعاصي، فنفوا مشيئته لها.
ونفيهم لمشيئته لها نفي - في حقيقة الأمر - لخلقها؛ إذ لا خلق بلا مشيئة؛ فلو خلقها لكان شائيًا لها - أي محبًّا بزعمهم -، والله لا يحب المعاصي، وبالعكس؛ فنفي الخلق نفي للمشيئة إذ لو شاءها الله لوجدت، فكل ما شاءه الله فلا بد أن يوجد، فنفي خلقها نفي لإرادتها.
فهذه جملة مقالتهم في هذا الباب، وهي تدور على أمرين:
الأول: نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد.
_________________
(١) هو المهدي، أحمد بن يحيى بن المرتضى بن المفضل الحسني، من سلالة الهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية باليمن، ولد في ذمار سنة (٧٧٥ هـ)، من كتبه: "نكت الفرائد" و"الأزهار في فقه الأئمة الأخيار"، توفي سنة (٨٤٠ هـ) في جبل حجة غربي صنعاء. انظر: البدر الطالع (١/ ١٥٥)، والأعلام (١/ ٢٦٩).
(٢) طبقات المعتزلة (٨).
(٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٢١٨).
(٤) المصدر السابق (٦/ ٢٢٠).
[ ١ / ١٢٨ ]
الثاني: نفي مشيئة الله للمعاصي منها، لأن المشيئة عندهم والمحبة مترادفتان.
وأما المرتبتان الأوليتان؛ فهم يثبتونهما من حيث العموم، ولهم مخالفات في ضمن هذا الإثبات.
وما يدل على إثبات العلم من كتبهم قول القاضي عبد الجبار: "وجملة القول في ذلك أنه يلزمه [أي المكلف] أن يَعلمَ أنه تعالى كان عالمًا فيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بجهل أو سهو، وأنه عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصح أن تُعلم عليها" (^١).
وقال أبو الحَسن الأشْعري ﵀ (^٢): "وأجمعت المعتزلة على أن الله لم يزل عالمًا قادرًا حيًّا" (^٣).
وأما الكتابة؛ فقال القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]: يدل على أن كل ذلك يكتبه الحفظة، ثم يقع التمييز عند المحاسبة، ويحتمل أن يريد أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، كما كتب الله الآجال والأرزاق" (^٤).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (١٦٠).
(٢) هو: أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم الأشعري اليماني البصري، إمام الأشعرية، كان معتزليًّا، ثم تحول إلى مذهب ابن كلَّاب، ثم تركه وصار على مذهب السلف، من كتبه: "مقالات الإسلاميين"، و"اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع"، مات ببغداد سنة (٣٢٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٢٦٠)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥).
(٣) مقالات الإسلاميين (١/ ١٥٧).
(٤) انظر: تنزيه القرآن (٤٠٨)، وانظر: (٣٧٧) منه.
[ ١ / ١٢٩ ]
وممن قررها أيضًا: أبو بكر الأصَم (^١)، والزمخشري (^٢) كما في مواضع عديدة من تفسيره (^٣).
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه روي عن عمرو بن عبيد في كتابة المقادير روايتان (^٤)، والرواية الثانية هي ما رواه الدارقطني عن معَاذ بن معَاذ (^٥) قال: "كنت جالسًا عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل فقال له: يا أبا عثمان، سمعت اليوم بالكفر! فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشم الأَوقص (^٦) يقول: إن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وقوله:
_________________
(١) انظر: مفاتيح الغيب للرازي (١٩/ ٦٦ - ٦٧)، وهو: أبو بكر، عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي، له "تفسير"، و"كتاب خلق القرآن"، مات سنة (٢٠١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٠٢)، ولسان الميزان (٥/ ١٢١).
(٢) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي المعتزلي، ولد في زمخشر سنة (٤٦٧ هـ)، كان داعية إلى الاعتزال، من كتبه: "الكشاف"، و"أساس البلاغة"، مات ليلة عرفة سنة (٥٣٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٥١)، وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٩).
(٣) انظر مثلًا: (٢/ ٢٢١ و٣٤٢)، و(٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، و(٤/ ٨٦).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥).
(٥) هو: أبو المثنى، معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري البصري القاضي الحافظ، قال الإمام أحمد: "معاذ بن معاذ إليه المنتهى في التثبت"، مات بالبصرة سنة (١٩٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٥/ ١٦٥)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٤).
(٦) هو: هاشم الأوقص أو ابن الأوقص، كان موافقًا لعمرو بن عُبَيد في بدعته، قال البخاري والجوزجاني: ضال غير ثقة. انظر: لسان الميزان (٨/ ٣١٥).
[ ١ / ١٣٠ ]
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ليسا في اللوح المحفوظ، والله تعالى يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّه فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان؟ قال: فسكت عمرو بن عبيد ساعةً، ثم أقبل عليه فقال: لو كان الأمر على ما تقولون ما كان على أبي لهب من لوم، وما كان على الوحيد من لوم" (^١).
فهذه الرواية تظهر جليًّا إنكار عمرو بن عبيد للكتابة.
وبهذا يتبين أن المعتزلة ينكرون مرتبتي المشيئة والخلق، ويثبتون العلم والكتابة - على مخالفة لهم في حقيقة هذا الإثبات، والله أعلم.
وأما الأشاعرة؛ فيخالفون منهج السلف في كثير من التفصيلات المتعلقة بمراتب القدر، إلا أنهم يثبتون هذه المراتب على وجه العموم.
فنصوص الأشعري - إمام المذهب - وما حكاه من إجماعات للسلف تدل على هذا؛ يقول في رسالته "رسالة إلى أهل الثغر": "باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول:. . . وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميعَ ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. . . وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم. . . وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه. . . وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله ﷿ قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم، وأخبر بما يكون منهم، وأن أحدًا لا يقدر على تغيير
_________________
(١) أخبار عمرو بن عبيد (٨٧) رقم (٣).
[ ١ / ١٣١ ]
شيء من ذلك، ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره، فمنهم شقي وسعيد" (^١).
فاشتمل كلامه على إثبات المراتب كلها.
ومن ذلك قول البَيجُوري (^٢): "فالقضاء والقدر راجعان لما تقدم من العلم والإرادة وتعلق القدرة" (^٣)، وتعلق القدرة عندهم معناه الإيجاد (^٤)، فهذا نص منه على العلم والإرادة والخلق.
ونص الرازي على الكتابة بقوله في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: "الحجة الثلاثون: عن أبي ظَبْيان (^٥) عن ابن عباس قال: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (^٦)، وجه الاستدلال به: أنه دخل في هذا المكتوب جميع أفعال العباد" (^٧).
_________________
(١) رسالة إلى أهل الثغر (٢٤٧ و٢٥٢ و٢٥٤ و٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) البيجوري: أو البيجوري،: إبراهيم بن محمد بن أحمد الأشعري، شيخ الجامع الأزهر، من فقهاء الشافعية، من كتبه: "تحفة المريد"، و"تحقيق المقام"، مات سنة (١٢٧٧ هـ). انظر: الأعلام (١/ ٧١)، ومعجم المؤلفين (١/ ٥٧).
(٣) حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد (١٨٩).
(٤) انظر: المواقف للإيجي (١٥٢).
(٥) في المطبوع: "أبو طهمان" وهو خطأ، وأبو ظَبْيان هو حصين بن جندب بن الحارث الجَنْبي، أبو ظَبيان الكوفي، ثقة من الثانية. انظر: تقريب التهذيب (١٣٧٥)، وتهذيب التهذيب (١/ ٤٤١).
(٦) رواه من هذا الطريق: البيهقي: كتاب السير، باب مبتدأ الخلق (٩/ ٣)، وقد تقدم تخريجه ص (٣٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا.
(٧) المطالب العالية (٩/ ٢٤٤)، وانظر: (٩/ ٢١٩) منه.
[ ١ / ١٣٢ ]
واستدل في الحجة العاشرة بحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (^١) مقرًّا لما تضمنه من كتابة المقادير (^٢).
لكنه ذهب إلى أن الإيمان باللوح المحفوظ وكتابة المقادير فيه غير واجب، فقال: "لأن المسلمين أجمعوا على أن العلم بوجود اللوح المحفوظ، وبأن الله أحدث فيه رقومًا خاصة دالة على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان، ولا من واجباته" (^٣).
وما ذهب إليه واضح البطلان من وجهين:
الأول: أن النصوص دلت بطريق القطع على وجوب الإيمان بالقدر، ومن الإيمان بالقدر - باعترافه هو - الإيمان بأن الله سبحانه كتب في اللوح المحفوظ مقادير العباد، فهو واجب.
الثاني: أن الإيمان باللوح وكتابة المقادير فيه من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها والتصديق لها، والأشاعرة أنفسهم يجعلون باب السمعيات - الذي من جملته اللوح - مما يجب الإيمان به.
وأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات المراتب من حيث العموم دون التنصيص على أن هذه هي مراتب القدر، مع وجود المخالفة في حقيقة الإثبات لبعض المراتب.
ففي كلام أئمتهم إثبات صفة العلم لله ﷾، ومن ذلك قول أبي
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١١٢).
(٢) المطالب العالية (٩/ ٢٣٠)، وانظر: (٩/ ٢٣١) منه.
(٣) المصدر السابق (٩/ ٢٢١).
[ ١ / ١٣٣ ]
منصور الماتريدي (^١) في كتابه "التوحيد": "ثم إذا كان الله جل ثناؤه موصوفًا بالعلم والقدرة والجبروت والحياة لذاته، لإحالة احتماله الأغيار" (^٢).
وكذلك هم ممن يثبت اسم الله سبحانه "العليم" وما تضمنه من صفة "العلم".
قال الكَمال بن الهُمام (^٣): "ثم إنه سميع بسمع وبصير بصفة تسمى بصرا، وكذا عليم بعلمٍ، وقدير بقدرة ومريد بإرادة، لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم من اللغة من عليم: ذات له علم، بل يستحيل عندهم عليم بلا علم، كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب صرفه" (^٤).
ولأبي منصور كلام طويل في تقرير خلق الأفعال في كتابه "التوحيد" (^٥).
وقال البزدوي (^٦): "قال أهل السنة والجماعة: إن الحوادث كلها من
_________________
(١) هو: أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، من أئمة المتكلمين إمام المذهب الماتريدي، من كتبه: "التوحيد"، و"تأويلات أهل السنة"، مات سنة (٣٣٣ هـ). انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ١٣٠)، والفوائد البهية (١٩٥).
(٢) التوحيد (٣٠٠).
(٣) هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي ثم الإسكندري الحنفي، كمال الدين، المعروف بابن الهمام، ولد بالإسكندرية، من كتبه: "التحرير"، و"المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة"، مات سنة (٨٦١ هـ). انظر: الضوء اللامع (٨/ ١٢٧)، وشذرات الذهب (٩/ ٤٣٧).
(٤) المسايرة مع شرحها المسامرة (٦٨ - ٦٩).
(٥) انظر: (٣٠٥ - ٣١٨) منه.
(٦) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي الماتريدي شيخ الحنفية، =
[ ١ / ١٣٤ ]
الأعيان والأفعال بمشيئة الله وإرادته وحكمه، خيرًا كان أو شرا" (^١).
وقال أيضًا: "قال أهل السنة والجماعة: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة، والله تعالى هو موجدها ومحدثها ومنشئها" (^٢).
وقال أبو المعين النَّسفي (^٣) في ذكر مرتبتي المشيئة والخلق: "وإذا ثبت أن الله تعالى هو الذي يتولى تخليق أفعال العباد خيرها وشرها، طاعتها ومعصيتها، والله تعالى مختار في تخليق ما يخلق غير مضطر فيه، ولا اختيار بدون الإرادة؛ ثبت أن ما يوجد من أفعال العباد كلها بإرادة الله تعالى، وما لم يوجد منها؛ لم يكن بإرادة الله تعالى، إذ لم يخلقه. ثم حاصل المذهب أن كل حادث حدث بإرادة الله تعالى على أي وصف كان" (^٤).
_________________
(١) = صاحب الطريقة في المذهب، ولد في حدود سنة (٤٠٠ هـ)، من كتبه: "المبسوط"، و"أصول البزدوي"، مات سنة (٤٨٢ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٠٢)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ٥٩٤).
(٢) أصول الدين (٥٢)، وانظر: (٥١) منه أيضًا.
(٣) المصدر السابق (١٠٤).
(٤) هو: أبو المعين، ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول النسفي الحنفي، من كتبه: "بحر الكلام"، و"تبصرة الأدلة"، مات سنة (٥٠٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١١/ ١١٩)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٣/ ٥٢٧).
(٥) التمهيد في أصول الدين (١١٢)، وعقد لهذا الكلام وما بعده فصلًا بعنوان: "فصل في أن المعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته"، كما عقد فصولًا أخرى لبيان خلق أفعال العباد هي: "فصل في إثبات خلق أفعال العباد"، وفصل في أن المتولدات مخلوقة لله تعالى"، و"فصل في القضاء والقدر وثبوت كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" و"فصل في الهدى والضلال وثبوت خلق الأفعال"، و"فصل في إبطال القول بالأصلح وثبوت خلق الأفعال وكون =
[ ١ / ١٣٥ ]
وفي جملة من كلام الكمال بن الهمام يجد القارئ إثباتهم للعلم والمشيئة والخلق، قال: "الركن الثاني: العلم بصفات الله تعالى، ومداره على عشرة أصول، حاصل ستة منها: العلم بأنه تعالى قادر حي مريد، لما ثبت وحدانيته في الألوهية (^١)؛ ثبت استناد كل الحوادث إليه، وهو مشَاهَدٌ منها كمال الإحسان، ويستلزم ذلك قدرته تعالى وعلمه بما يفعله ويوجده، وينضم إلى هذا أنه هو الموجد لأفعال المخلوقات، فيلزمه علمه بكل جزئي جزئي" (^٢).
وأما مرتبة الكتابة، فنصوا عليها أيضًا، ومن ذلك قول الناصري: "وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ جميع ما يكون وجميع ما تفعل العباد قبل خلقهم" (^٣).
وقال صاحب "مميزات مذهب الماتريدية": "وكون أفعال العباد بعلم الله تعالى وإرادته وتقديره وكتبه في اللوح؛ لا يستلزم كون صدورها من العباد بالجبر" (^٤)، وهذا نص منه على العلم والكتابة والمشيئة.
وبهذا يتبين أن الماتريدية يثبتون مراتب القدر من حيث العموم، ومخالفتهم هي في جزئيات تتعلق ببعضها، سيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله.
_________________
(١) = الكفر والمعاصي مخلوقة لله تعالى. . .".
(٢) هذا من خلط المتكلمين بين الربوبية والألوهية.
(٣) المسايرة مع شرحها المسامرة (٥٨ - ٦٠)، وقد نقل زين الدين قاسم الحنفي في حاشيته عليها اتفاق "جمهور العقلاء على أن الله تعالى عالم بما يجري في ملكه".
(٤) النور اللامع (ل ١١٠)، بواسطة: الماتريدية دراسةً وتقويمًا لأحمد عوض الله اللهيبي.
(٥) مميزات مذهب الماتريدية عن العقائد الغيرية ضمن مجموع (ل ٧٥)، بواسطة المصدر السابق.
[ ١ / ١٣٦ ]