إثبات العلم لله ﷾، وشموله لكل شيء؛ شموله لما يتعلق به ﷿، وشموله لما كان في الماضي، وشموله لما لا يقع، وشموله لما سيكون في المستقبل، وشموله للجُزئيَّات أمر لم يخالف فيه بالجملة أحد من المنتسبين للإسلام (^١)، وإنما خالف في ذلك طائفتان:
الأولى: القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء (^٢).
الثانية: الفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات.
وليس مع واحدة منهما دليل صحيح، بل أوهام ظنوها حقائق وأدلة.
أما القدرية الأوائل؛ وهم غلاة القدرية، وقد تقدم وصفهم وبيان اتفاق سلف الأمة على تكفيرهم (^٣)، وقد قال الشافعي ﵀: "ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا" (^٤).
وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي ﵀ وسأله علي بن الجهم عمن قال بالقدر يكون كافرًا؟ - قال: إذا جحد العلم؛ إذا قال إن الله ﷿ لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعلم؛ فجحد علم الله ﷿ فهو كافر" (^٥).
_________________
(١) انظر: نهاية الإقدام (٢١٥).
(٢) سيأتي تعريفه ص (٢٤٩).
(٣) انظر ما تقدم ص (١٢٥).
(٤) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٤).
(٥) السنة لعبد الله (٢/ ٣٨٥) رقم (٨٣٥)، وانظر: السنة للخلال (٣/ ٥٢٩).
[ ١ / ١٥٧ ]
ومذهب هؤلاء واضح البطلان، جلي المخالفة لما علم بالدليل القاطع من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
أما الكتاب والسنة؛ فالآيات والأحاديث الكثيرة المتتابعة على إثبات علم الله ﷾، كما سبق سياق بعضها، وسبق أيضًا سياق الإجماع (^١).
وأما العقل؛ فمن وجوه:
الأول: أن العلم صفة كمال، ونقيضه الجهل صفة نقص، والله سبحانه متصف بالكمال ومنزَّه عن النقص؛ فوجب أن يوصف بالعلم وينزه عن النقص.
الثاني: أن العلم مقتضى الربوبية، ولا ربوبية بغير علم؛ إذ كل صفات الربوبية، وعلى رأسها الصفات التي هي خصائص الربوبية: الخلق والرزق والتدبير والملك ونحوها، كلها مبناها على العلم، فنفي العلم نفي للربوبية من أصلها، يوضحه:
الثالث: أن نفي العلم يستلزم لوازم باطلة:
أولها: نفي الخلق، إذ الخلق مبني على العلم كما تقدم تقريره، ونفي الخلق نفي لأمر من أعظم المسلمات، وهو مكابرة لا تقع إلا من أحمق.
ثانيها: نفي المشيئة عن الله سبحانه لأن المشيئة لا تكون إلا عن علم كما تقدم.
ثالثها: إثبات شركاء لله سبحانه في ربوبيته، لأن العلم إذا عدم؛ تساوى الرب مع غيره في جهل الأشياء، بل يكون بعض المخلوقين أعلم ببعض الأشياء من الرب ﷾، وهذا كفر صريح وشرك بيِّن، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٤٣ - ١٤٤)، و(١٠٩ - ١١٠).
[ ١ / ١٥٨ ]
ولكون هذا المذهب في منتهى البطلان؛ فقد قلَّ أو انقرض من ينكره اليوم وقيل، قال القرطبي ﵀ عنه: "وقد تُرك اليوم، فلا يعرف من يُنسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها" (^١).
وأما الفلاسفة، فالخلاف واقع بين فلاسفة الإسلام جراء اختلافهم في فهم مذهب الفلاسفة الأولين كأرسْطو (^٢) وأفْلاطون (^٣) ونحوهما، ويتمثل هذا الخلاف في رأيين:
أولهما: رأي الغزالي وغيره ممن ذهب إلى أنهم ينكرون علم الله سبحانه بالجزئيات، وصرح بكفرهم لثلاثة أمور هذا أحدها (^٤)، وجعل لهم في إنكار
_________________
(١) المفهم (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وانظر: الواسطية (ضمن مجموع الفتاوى) (٣/ ١٤٩).
(٢) هو: أرسطو بن نيقوماخس الفيثاغوري، يسمونه المعلم الأول، تلميذ أفلاطون المتصدر بعده، ولد في مدينة أسطاغيرا اليونانيّة سنة (٣٨٤ ق. م)، كان كشيخه أفلاطون يُعلم الفلسفة ماشيًا، فسمي هو وأصحابه المشاؤون، انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وهو أول من صرح بقدم الأفلاك، من كتبه: "الكون والفساد"، و"الأخلاق"، مات سنة (٣٢٢ ق. م). انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (٢١)، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء (٨٦)، ومنهاج السنة (١/ ٣٦٠).
(٣) هو أفلاطون - ويقال فلاطن وأفلاطن - بن أرسطون، من أهل مدينة أثينيا، رومي فيلسوف يوناني طبي؛ كان أبواه من أشراف اليونانيين، من كتبه: "السياسة المدنية"، و"احتجاج سقراط على أهل أثينيا"، مات سنة (٣٨٤ ق. م) عن إحدى وثمانين سنة. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٧٩).
(٤) انظر: تهافت الفلاسفة (٣٠٧ - ٣٠٨)، وفيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ضمن =
[ ١ / ١٥٩ ]
علمه بالجزئيات ﷾ مذهبين:
الأول: إنكار العلم بالجزئيات مطلقًا.
الثاني: الزعم بأنه يعلم الجزئيات علمًا كليًّا (^١).
ثانيهما: رأي ابن رُشْد (^٢) الذي ذهب إلى أن الفلاسفة لا ينكرون علمه بالجزئيات، وأن من حكى هذا عنهم؛ فقد غلط عليهم ولم يفهم مذهبهم، وأن صواب مذهبهم أنهم "يرون أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك لأن علمنا بها معلول للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره، وعلم الله بالوجود على مقابل هذا، فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود، فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدًا وذلك غاية الجهل" (^٣).
فهم - في نظره - يرون أن علمه تعالى مختلف عن علمنا، في كليات الأمور وجزئياتها، لأن الأمور كلياتها وجزئياتها معلولة عن علمه تعالى، وعلمه منزه
_________________
(١) = مجموعة رسائل الغزالي) (٢٦٤).
(٢) انظر: تهافت الفلاسفة (٢٠٦).
(٣) هو أبو الوليد، محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي الفيلسوف، ولد سنة (٥٢٠ هـ)، من كتبه: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و"تهافت التهافت"، مات سنة (٥٩٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٠٧)، وتاريخ قضاة الأندلس (١٤٤)، وشذرات الذهب (٦/ ٥٢٢).
(٤) فصل المقال (٣٩).
[ ١ / ١٦٠ ]
عن أن يوصف بأنه كلي أو جزئي (^١).
وابن رشد في فهمه لمذهبهم على هذا النحو مخالف لمن سبقه من أئمة الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سيْنا (^٢)، ومخالف كذلك لأبي البركات ابن مَلكا (^٣) صاحب "المعتبر" (^٤)، والطُّوسي (^٥).
وهذا المسلك من ابن رشد إنما كان لتعظيمه الشديد للفلاسفة الأولين، ومحاولته الجاهدة للتوفيق بين مقالاتهم وشرع الرب ﷿، وبيان أن ما ذهبوا إليه هو من جنس ما ذهب إليه مبتدعة الإسلام، وليس كفرًا، وعلى ذلك بنى
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٤٠).
(٢) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن سينا: هو أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البلخي ثم البخاري الفيلسوف، كان أبوه كاتبًا من دعاة الإسماعيلية، وهو كذلك إسماعيلي من إخوان الصفا ولد سنة (٣٧٠ هـ)، من كتبه: الشفاء"، و"أسرار الحكمة المشرقية"، مات بهمذان سنة (٤٢٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١٥٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٣١).
(٣) هو: أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي الفيلسوف، من كتبه: "المعتبر"، و"رسالة في العقل وماهيته"، مات سنة نيف وخمسين وخمس مئة. انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (٢٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤١٩).
(٤) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧).
(٥) كما في شرحه على الإشارات المطبوع معها (٢٩٦ - ٢٩٧)، وهو: أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف الملحد الزنديق، الملقب بنصير الدين، وهو في حقيقة الأمر نصير الشرك والكفر، ولد بطوس قرب نيسابور سنة (٥٩٧ هـ)، من مؤلفاته: "تلخيص المحصل"، و"تجريد العقائد"، هلك ببغداد سنة (٦٧٢ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٥٢)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٠).
[ ١ / ١٦١ ]
كتابه: "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" كما يظهر من اسمه، وحمل على أبي حامد الغزالي لتصريحه بكفرهم حتى إنه نقض كتابه "تهافت الفلاسفة" بـ "تهافت التهافت"، بيَّن فيه وهم أبي حامد على الفلاسفة الأولين، وخطئه في حكاية مذهبهم وإكفارهم.
وليس الأمر كما قاله ابن رشد؛ بل مقالاتهم التي لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀ في طريقة ابن رشد هذه: "وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزئيات العالم؛ فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بتحقيق مذهبهم؛ فإنه دائمًا يتعصب لأرسطو صاحب التعاليم المنطقية والإلهية" (^٢).
وما احتج به ابن رشد في انتصاره للفلاسفة من أنهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في الزمان المستقبل، وأن ذلك العلم يحصل للإنسان في النوم من قِبَل العلم الأزلي المدبر للكل والمستولي عليه (^٣) - يعني أن العلم عندهم سبب الإنذار بالجزئيات -؛ فباطل وذلك لأنهم يرون أن هذا العلم الحاصل لهم إنما هو فيض فاض من العقل الفعال
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين (٥٦٨)، ودرء التعارض (٩/ ٣٩٧).
(٢) درء التعارض (٩/ ٣٩٧).
(٣) انظر: فصل المقال (٤٠).
[ ١ / ١٦٢ ]
والنفس الفلكية، فهي المنذر به (^١).
فإذا تبين فساد ما ذهب إليه ابن رشد؛ فالأقوال في مذهب الفلاسفة هي ما حكاها الغزالي.
وقد ذكرها أيضًا الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام" حيث قال: "وذهبت قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال.
وذهب قوم منهم إلى أنه يعلم الكليات دون الجزئيات، وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعًا على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور" (^٢).
فالأول والثاني هما ما حكاهما الغزالي، والثالث شبيه بما ذكره ابن رشد (^٣) (^٤).
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٨) و(١٠/ ١٨٩).
(٢) نهاية الإقدام (٢١٥)، وانظر: المعتبر (٣/ ٦٩)، ولباب العقول للمكلاتي (٢٣٤).
(٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٤٠٠).
(٤) هذا هو المشهور من كلام الفلاسفة ومذاهبهم، وقد حكى شيخ الإسلام ﵀ لهم قولًا رابعًا، وهو القول بأن الله يعرف ذاته وسائر مخلوقاته في سائر الأوقات على اختلاف الحالات مما هو كائن وما هو آت، كما ذكر ذلك أبو البركات في "المعتبر"، قال شيخ الإسلام: "وهذا القول ينزع إلى قولين: أحدهما القول الذي اختاره ابن رشد الذي قربه من التغير ولم يجب عنه، والثاني: التزام هذا اللازم وبيان أنه ليس بمحذور، وهذا قد اختاره أبو البركات كما يختاره طوائف من المتكلمين كأبي الحسين والرازي وغيرهما وكما هو معنى ما دل عليه الكتاب والسنة وذكره أئمة السنة" درء التعارض (٩/ ٤٠١ - ٤٠٢). ومقصوده ﵀ أن الفلاسفة منهم من نحا منحى إنكار لوازم العلم بالجزئيات، كابن رشد، ومنهم من التزم ذلك، وهو لازم حق دلت عليه الأدلة.
[ ١ / ١٦٣ ]
فخلاصة مذهبهم أنهم يرون أن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون قولًا واحدًا (^١).
ثم منهم من ينكر علمه بالجزئيات مطلقًا، كما ذهب إليه أرسطو (^٢)، ومنهم من يقول يعلمها بعلم كلي، كما ذهب إليه ابن سينا، ومن ذلك قوله: "فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر" (^٣).
وبيان هذا المذهب أن يقال: إن الجزئيات المتغيرة يعلمها الله سبحانه، لكن علمه بها لا يدخل تحت زمان أو مكان، فالله عند هؤلاء عالم بذاته، وعلمه بذاته يقتضي أن يعلم أنه علة للموجودات كلها، فإذا علم ذاته وعلم كونه علة للموجودات؛ علم أنه عالم بالقوانين والأسباب الكلية التي تحكم العالم، وعلم ارتباطها بمسبَّباتها، فإذا علم وقوع السبب؛ علم وقوع المسبب، لكن لا في زمان معين ولا مكان معين، وهذا معنى إطلاقهم أن الله عالم بكل شيء.
مثال ذلك: الكسوف، فالله سبحانه يعلم أن كسوفًا سيكون، بعلمه بأسبابه، لكنه لا يعلم الزمن الذي سيكون فيه الكسوف، في أي سنة أو شهر
_________________
(١) كما حكى الغزالي اتفاقهم على ذلك، انظر: تهافت الفلاسفة (٢٠٦)، ونقل اتفاقهم كذلك: أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي في: "لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول" (٢٣٣).
(٢) انظر: تفسير ما بعد الطبيعة (٣/ ١٧٠٧).
(٣) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ١ / ١٦٤ ]
أو يوم أو ساعة، ولا يعلم المكان الذي سيكون فيه الكسوف، فعلمه بالكسوف علم كلي تابع لعلمه بأسبابه الكلية، لأنه علم ثابت لا يتغير، وأما علمه بزمانه ومكانه فهو متغير فلذلك لم يصح أن يوصف به.
ثم هذه الجزئيات يعلمها الباري علمًا واحدًا متجانسًا، ولا يعلم كل جزئي منها على حدة، قال ابن سينا: "إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب بأسباب منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه متخصص به، كالكسوف الجزئي؛ فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافي أسبابه الجزئية، وإحاطة العقل بها، وتعقلها كما تعقل الكليات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني الذي يحكم أنه وقع الآن أو قبله أو يقع بعده" (^١).
وهذا القول راجع في حقيقته إلى إنكار علمه بالجزئيات من أصله - كما هو القول الأول - لأن العلم بالجزئيات مجردًا عن الزمان والمكان ونحوهما غير معقول، إذ هذه الجزئيات حاصلة في زمان ومكان ومختلفة شخصًا، فنفيها عنها نفي للعلم بها من أصله، إذ مجرد العلم بأسبابها وعللها دون العلم بحقيقتها علمًا محيطًا بها ليس علمًا بها، وإنما العلم الحقيقي بها هو العلم بأسبابها وعللها وأوصافها، ثم العلم بها بعد وقوعها على ما هي عليه.
فالفلاسفة جعلوا مجرد علم عللها وأسبابها علم بها، وهذا باطل، لأن من علم بأن زرعًا ينبت إذا سقي البذر، لكن لا يعلم أي زرع هذا الذي ينبت، ولا في أي أرض ولا في أي موسم أو يوم؛ لا يعلم حقيقة هذا الزرع.
وقد صرح ابن سينا بأن الله قد لا يعلم وقوع الجزئي فقال: "ثم ربما وقع
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٩).
[ ١ / ١٦٥ ]
ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع" (^١).
فالجزئي إنما كان جزئيًّا لأن تصوره مانع من وقوع الشركة فيه سواء، وإذا لم يمكن ذلك فليس بجزئي وإنما هو كلي.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ففي الجملة؛ الجزئي لا يكون جزئيًّا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه. . . فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين، وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف فهذا كلي وإن علم أنه لا بد أن يحصل فإنه كلي من حيث الزمان فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه" (^٢).
ولما كان الأمر كذلك - أن مآل القولين واحد على التحقيق -؛ فسأسوق شبههما مساقًا واحدًا، إذ الشبه الحاملة لهم على ذلك واحدة، فقد استدلوا لمقالتهم بشبه باطلة منها:
أولًا: أنه لو تعلق علم الله تعالى بالجزئيات للزمه التغير والتجدد بتغير المعلوم وتجدده، فيلزم من ذلك التغير الكثرة في ذات الله تعالى، وهو الواحد الأحد.
قال ابن سينا: "فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر" (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٧).
(٢) انظر: درء التعارض (١٠/ ١٦٣)، وانظر: (١٠/ ١٦٩) منه.
(٣) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
وقال: "لا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلًا زمانيًّا متشخصًا، بل على نحو آخر نبينه، فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات" (^١).
ثانيًا: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره (^٢).
وقبل الرد عليهما تجدر الإشارة إلى أن مذهب الفلاسفة في هذا المقام هو فرار من تشبيه الله بخلقه، فإنهم لما لم يعقلوا من هذا إلا ما يثبت للمخلوق؛ نفوه عن الرب سبحانه تنزيهًا له.
وللمتكلمين أجوبة على مذهب الفلاسفة هذا متنوعة بتنوع مشاربهم، إلا أنها لا تشفي عليلا ولا تروي غليلًا، ولهذا نازعهم فيها ابن رشد وأفسدها عليهم، وإن كان حاصل رده عليهم ليس له طائل، بل مآل كلامه هو نفس ما يؤول إليه كلامهم (^٣).
وجواب هاتين الشبهتين مبني على مسألة مهمة، وهي التفريق بين علم الظهور وعلم الله السابق، مع بيان أن علم الظهور لا ينافي العلم السابق،
_________________
(١) النجاة (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر: الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة للبطليوسي (٣٥).
(٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٨٢).
[ ١ / ١٦٧ ]
وستأتي هذه المسألة تحت قاعدة: "علم الظهور لا ينافي علم الله السابق".
أما الشبهة الأولى؛ فهي مبنية عند الفلاسفة على أصل من أصولهم، وهو منع قيام الحوادث بالرب ﷿، لأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وبناءً على ذلك نفوا قيام الصفات به ﷿، الذاتية منها والفعلية.
قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أنه إنما دعاهم [أي الفلاسفة] إلى ذلك: القول بنفي الصفات والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه" (^١).
وجوابها من وجوه:
الأول: أن من يعلم الأشياء أكمل ممن لا يعلمها، فأن يعلم الجزئيات أكمل من أن لا يعلمها - وإن قدر لزوم التغير ونحوه عليه - (^٢).
الثاني: أن الأدلة بأنواعها النقلية والعقلية دلت على اتصاف الله سبحانه بالصفات الذاتية والفعلية فيجب إثباتها له، وما لزم على ذلك من لوازم فهو حق؛ لأن لازم الحق حق.
الثالث: أن هذا لزوم غير صحيح لثبوت الفرق بين العلم القديم وعلم الظهور على ما سيأتي، وملخص ذلك: العلم السابق هو علم الله بكون الشيء ووجوده، وعلم الظهور هو علم بأنه سيكون، وعلم الله ﷾ ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه ﷿ يخبر بحصول علم له ﷾ بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم
_________________
(١) درء التعارض (١٠/ ٨٢)، وانظر: الرد على المنطقيين (٥٠٨).
(٢) درء التعارض (٩/ ٤١٢ - ٤١٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومذهب أهل السنة في هذه المسألة مبني على أن العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي، وليس نسبة عدمية أو إضافية (^١).
الرابع: أن نفي العلم بالجزئيات - مباشرة كقول أرسطو، أو مآلًا كقول ابن سينا - أعظم نقصًا من إثبات هذه اللوازم - على فرض كونها نقصًا - فلا يجوز التزام أعظم النقصين حذرًا من أدناهما (^٢).
الخامس: أن لفظ "التغير" و"الكثرة" ألفاظ مجملة، فإن أريد بها أن علم الله السابق يتغير بحدوث هذه الجزئيات فهو باطل، وإن أريد بأن العلم التابع لوقوع المعلوم هو قدر زائد عن العلم السابق (^٣)، وأن حصوله مشروط بوقوع الجزئي فهذا حق دلت عليه الأدلة كما سيأتي.
السادس: أنكم تقولون الخلق لزم عن ذاته، والعلم لزم عن ذاته، فإن كان العلم يوجب التغير والكثرة؛ فالخلق يوجب ذلك من باب أولى، وإن لم يكن الخلق موجبًا لذلك؛ فألا يكون العلم موجبًا له من باب أولى، فإن الذي يلزم في العلم؛ يلزم في الخلق من باب أولى (^٤)، وإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له مما يوجب نقصًا له وكمالًا به؛ فأن لا يوجب كونها معلومة له نقصًا
_________________
(١) انظر ما يأتي ص (١٧٩).
(٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٤١٣).
(٣) انظر: المصدر السابق (١٠/ ١٨٥).
(٤) انظر: المعتبر لأبي البركات ابن ملكا (٣/ ٧٤)، وقد استحسن شيخ الإسلام هذا الرد فقال: "وما ذكره أبو البركات في المعارضة بالفعل في غاية الحسن" وزاده بسطًا وشرحًا، درء التعارض (٩/ ٤١٥)، وانظر: (١٠/ ٢٩ - ٣٠) منه.
[ ١ / ١٦٩ ]
له وكمالًا به من باب أولى.
السابع: أن العلم لازم له سبحانه، لا ينفك عنه بحال، وليس شيئًا متجددًا، فليس كماله بغيره، بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته، فكونه متعلقًا بغيره لا يقدح فيه كما لا يقدح بالقدرة تعلقها بالمقدور من باب أولى، لأن العلم متعلق به وبغيره، وأما القدرة فلا تكون إلا على غيره (^١).
الثامن: أن هذه الجزئيات هي مخلوقات الله سبحانه، وليس في الوجود إلا الله ومخلوقاته، وهذه المخلوقات لا وجود لها إلا به، فتعلق ذاته بهم أعظم من تعلق صفاته بهم، وإذا لم يكن في تعلق ذاته بهم نقصٌ؛ فليس في تعلق صفاته بهم نقص، وصفاته من علم وقدرة وغيرها من لوازم ذاته، ووجود ذاته بدون لوازمها ممتنع باتفاق العقلاء (^٢).
الشبهة الثانية: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره.
جوابها من وجوه:
الأول: أن هذا القول مبني على تشبيه الخالق بالخلوق، وهذا باطل، فعلم الله سبحانه ليس كعلمنا، سواء العلم الأول، أو علم الظهور.
الثاني: أن القول بأنه بحاجة لحواس أو تخيل، هذا في حق المخلوق، وأما في حق الخالق سبحانه فتدرك الجزئيات بما اتصف به من صفات العلم
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٩/ ٤٢٠).
(٢) انظر: المصدر السابق (٩/ ٤٢٠).
[ ١ / ١٧٠ ]
والسمع والبصر ونحوها، يوضحهما:
الثالث: أن يقال: ماذا تريد بالحواس؟ فإن أردت بها أن يكون له سمع وبصر فهذا حق دلت عليه النصوص الشرعية، وإن أردت غير ذلك فبينه، فنفي السمع والبصر بذريعة كونهما حواسًّا باطل، مع التنبيه على أن إطلاق الحواس في حقه سبحانه غير جائز.
الرابع: أن غير الجزئيات كالسموات والأرض - ونحوهما مما لا يتغير - هي محسوسة أيضًا، فيلزم نفي علمه بها لحاجته إلى حواس ليدركها بها، وهذا باطل.
[ ١ / ١٧١ ]