خالف أهلَ السنة والجماعة في هذه القاعدة طوائفُ من المخالفين (^١):
الطائفة الأولى: وهم القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، وقد سبقت حكاية مذهبهم والرد عليها فأغنى عن إعادته هنا.
الطائفة الثانية: ما ذهب إليه الجهم بن صفوان، فقد ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، وأن المعلومات إذا تجددت أحدث الباري سبحانه علومًا متجددة لا في محل، بها يعلم العلوم الحادثة، ثم العلوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة عليها، وكلها لا في محل (^٢)، ووافق جهمًا على هذا القول: هشَام بن الحَكم (^٣).
واستدل جهم على مقالته هذه بأن العلم بأن الشيء سيقع غير العلم بأنه وقع، فالله سبحانه لو علم الشيء قبل حدوثه بالعلم القديم، ثم وقع فإنه لا يخلو: إما أن يبقى علمه بهذا الشيء على ما هو عليه، أو لا يبقى، فإن كان الأول فهو جهل، لثبوت الفرق بين العلم بالشيء واقعًا والعلم بأنه سيقع،
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٧٧ - ١٧٩).
(٢) انظر: الإرشاد للجويني (٩٦)، ونهاية الإقدام (٢١٥)، وانظر كذلك: الفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٥/ ٧٣)، والتبصير في الدين (١٠٨).
(٣) هو: أبو محمد، هشام بن الحكم الشيباني بالولاء، الكوفي الرافضي المشبه، ولد بالكوفة، له كتب منها: "الإمامة"، و"القدر"، مات بالكوفة سنة (١٩٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٣)، ولسان الميزان (٨/ ٣٣٤).
[ ١ / ١٨٤ ]
وإما أن لا يبقى فيلزم أنه تغير، وهو محال في حق الله سبحانه (^١).
وإذا ثبت أن علمه سبحانه محدث، فلا يخلو: إما أن يحدث في ذاته سبحانه، أو في محل، فإن كان الثاني فيلزم أن يكون المحل هو المتصف به دون الله سبحانه، وإن كان الأول: كان الباري محلًّا للحوادث، ولزم حدوث التغير فيه، وكلاهما باطل، فتعين أنه لا في محل (^٢)، فهروبًا من هذا وذاك: أثبت علمًا حادثًا، لكنه غير قائم به سبحانه، بل لا في محل!
واستدل هشام على قوله بأن الله إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها بشبهتين (^٣):
الأولى: أنه لو كان لم يزل عالمًا لكانت المعلومات لم تزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود.
الثانية: أنه لو كان عالمًا بما يفعله عباده لم يصح التكليف.
هذا بالإضافة إلى ما استدل به الجهم من شبه، إلا أنه عبر بالتجدد بدلًا من التغير (^٤).
وقد حُكي هذا القول عن الزرارية أيضًا أتباع زرارة بن أعين الرافضي، حكاه عنهم الأشعري (^٥) والبغدادي (^٦).
_________________
(١) انظر: الملل والنحل (١/ ٩٧).
(٢) انظر: الملل والنحل (١/ ٩٨).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٢)، والفرق بين الفرق (٦٦ - ٦٧).
(٤) انظر: نهاية الإقدام (٢١٧ - ٢١٨).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٢).
(٦) انظر: الفرق بين الفرق (٦٩).
[ ١ / ١٨٥ ]
وقول هذه الطائفة في غاية البطلان، وهو مخالف للأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع على تقدم علم الله سبحانه، وقد سبق سياق شيء منها (^١).
الطائفة الثالثة: وهم الذين يقولون: إنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم.
وهو قول الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة.
قال الشهرستاني: "قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵁ على طريقته -: لا يتجدد لله تعالى حكم ولا يتعاقب عليه حال ولا تتجدد له صفة، بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق بما لم يزل ولا يزال، وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من غير تجدد وجه العلم أو تجدد تعلق أو تجدد حال له لقدمه، والقدم لا يتغير ولا يتجدد له حال" (^٢).
وقال الغزالي: "الأصل الثامن: أن علمه قديم؛ فلم يزل عالمًا بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته، ومهما حدثت المخلوقات؛ لم يحدث له علم بها، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي" (^٣).
وقال الآمِدي (^٤): "الباري تعالى عالم بعلم واحد قائم بذاته، قديم أزلي،
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٤١) وما بعدها.
(٢) نهاية الإقدام (٢١٨).
(٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٠٩)، وانظر: الاقتصاد في الاعتقاد (١٤٩ - ١٥١).
(٤) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي الأشعري، ولد في آمد =
[ ١ / ١٨٦ ]
متعلق بجميع المتعلقات، غير متناه بالنظر إلى ذاته، ولا بالنظر إلى متعلقاته" (^١).
ومعنى التعلق عندهم: "اقتضاء الصفة أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلومًا ينكشف به، واقتضاء الإرادة مرادًا يتخصص بها، واقتضاء القدرة مقدورًا، وهكذا. . ." (^٢)، وهو على قسمين:
- تعلق صلوحي، ومرادهم به: صلاحية تعلق الصفة بالشيء منذ الأزل.
- تعلق تنجيزي، وهو تعلق الصفة بالشيء بالفعل، فإذا كان في الأزل سمي تنجيزيًّا قديمًا، وإن كان بعد ذلك سمي حادثًا.
وهذا التعلق أمر اعتباري عندهم على التحقيق، أي غير وجودي، قال البيجوري: "فهو [أي التعلق] أمر اعتباري. وقيل هو أمر وجودي، وقيل واسطة بين الموجود والمعدوم فيكون حالًا، وقيل هو من مواقف العقول فلا يعلمه إلا الله تعالى، والتحقيق الأول" (^٣).
والصفات المتعلقة عندهم تنقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام (^٤):
_________________
(١) = آمد سنة (٥٥١ هـ)، من كتبه: "الإحكام في أصول الأحكام" و"أبكار الأفكار" قال شيخ الإسلام: "والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار" مجموع الفتاوى (٥/ ٥٦٢)، مات سنة (٦٣١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٠٦).
(٢) أبكار الأفكار (١/ ٣٢٢).
(٣) شرح الخريدة البهية (٨٢)، وانظر: تحفة المريد (١٤٢).
(٤) تحقيق المقام على كفاية العوام (١١١).
(٥) انظر: تحفة المريد (١٤٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
الأوّل: ما يتعلق بالممكنات، وهو القدرة والإرادة، ولكن القدرة تعلقها تعلق إيجاد وإعدام، والإرادة تعلقها تعلق تخصيص.
الثاني: ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهو العلم والكلام، لكن تعلق العلم تعلق انكشاف، وتعلق الكلام تعلق دلالة.
الثالث: ما يتعلق بالموجودات، وهو السمع والبصر
الرابع: ما لا يتعلق بشيء وهو الحياة.
واختلفوا في العلم، هل له تعلقان، صلوحي وتنجيزي، أم أنه ليس له إلا تعلق واحد تنجيزي قديم، فممن ذهب إلى الأول: ابن عاشُور (^١)، ووجهه أن تعلق الصفة: تحقق مقتضاها في الخارج لا في ذات موصوفها؛ فلا يفضي ذلك إلى اتصاف الله تعالى بوصف حادث.
وممن اختار الثاني: الأشعري (^٢)، والسَّنُوسي (^٣)، والبيجوري (^٤)،
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢٠/ ٢٠٥)، وابن عاشور هو: محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، ولد بتونس وتوفي بها، من كتبه: "التحرير والتنوير"، و"الوقف وآثاره في الإسلام"، مات سنة (١٣٩٣ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ١٧٤).
(٢) انظر: نهاية الإقدام (٢١٨).
(٣) انظر: شرح السنوسية (١٥١ - ١٥٢)، وهو: أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي التلمساني الحسني الأشعري، من كتبه: "عقيدة أهل التوحيد" و"شرح صغرى الصغرى"، مات بتلمسان سنة (٨٩٥ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ١٥٤)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٨٦).
(٤) انظر: تحفة المريد (١٢٦).
[ ١ / ١٨٨ ]
والدَّرْدير (^١)، ووجهه أن كل واجبٍ، وكلّ مستحيلٍ، وكلّ جائزٍ فهو منكشف له تعالى بعلمه، لا يخفى عليه شيء؛ لأنّ قول القائل: علم الله يَصلُحُ لكذا، ظاهر الفساد؛ إذ يقتضي أنّ شيئًا لم ينكشف له - تعالى عن ذلك -، فتعلقه تنجيزيٌّ قديم لا غير.
وأيًّا كان فهم متفقون على نفي تجدد علم غير العلم السابق.
وقال بهذا القول أيضًا: الماتريدية، فذهبوا - كالأشاعرة - إلى نفي تجدد شيء ثبوتي، وإنما جعلوا التجدد في التعلقات، قال السعد التفتازاني: "لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات؛ لأنها صفات قديمة تحدث لها تعلقات بالحوادث" (^٢).
وقال أيضًا: ". . . كالعلم والقدرة وسائر الصفات، فإن كلًّا منها صفة واحدة قديمة والتكثر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات، لما أن ذلك أليق بكمال التوحيد، ولأنه لا دليل على تكثر كل منها في نفسها" (^٣).
وقال الفرهاري: "وحاصل الدفع أن للعلم تعلقين بالمعلومات، أحدهما قديم شامل لكل ما يمكن تعلق العلم به من الأزليات والحادثات والممكنات والمحالات وهذا التعلق بالحادث يكون باعتبار أنه سيوجد، ثانيهما: تعلقات
_________________
(١) انظر: شرح الخريدة البهية (٨٢)، وهو: أبو البركات، أحمد بن محمد بن أحمد العدوي الشهير بالدردير، من فقهاء المالكية، ولد في بني عدي بمصر، من كتبه: "أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك"، و"منظومة الخريدة البهية في التوحيد"، مات بالقاهرة سنة (١٢٠١ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٤٤)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٤٢).
(٢) شرح العقائد النسفية (٤١).
(٣) المصدر السابق (٤١ - ٤٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
فيما لا يزال مختصة بالمتجددات تحدث عند حدوثها. . . ولا يلزم من ذلك تغير في الصفة الإلهية بل في متعلقاتها وهي أمور إضافية لا يوجب تغيرها تغيرًا في الصفة القديمة" (^١).
وهذا القول أيضًا هو قول طوائف من المعتزلة لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم لا بين العلم والمعلوم.
وقول هؤلاء باطل من وجوه:
الأول: أن مآل كلامهم إلى نفي ما دل عليه القرآن صراحة من تجدد علم لله سبحانه بالشيء المتجدد غير العلم القديم، يوضحه:
الثاني: أن هذا التعلق الذي أثبتوه إما أن يكون أمرًا وجوديًّا أو أمرًا عدميًّا، فإن كان الثاني فقد بطل قولهم من أصله، وإن كان عدميًّا فلم يتجدد لله شيء، إذ العدم لا شيء، وهذا مناف لما أثبتته النصوص من حدوث تجدد (^٢).
الثالث: أن حدوث التعلق الذي هو نسبة وإضافة فقط ممتنع، إذ وجود هذا التعلق مشروط بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية، كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية (^٣).
الرابع: أن مجرى هذا العلم في هذا مجرى باقي الصفات من سمع وبصر ونحوها، فالمسموع والمبصر قبل وجودهما عدمًا، والعدم لا يتعلق به سمع
_________________
(١) النبراس في شرح العقائد (١٣٥).
(٢) انظر: جامع الرسائل (٢/ ١٨).
(٣) انظر: جامع الرسائل (٢/ ١٨).
[ ١ / ١٩٠ ]
ولا بصر، ولكن إذا وجد الشيء سُمع وأُبصر، فكذلك العلم بالشيء موجودًا، لا يتعلق به إلا بعد أن يوجد، والله أعلم.
ولما كان التعلق بهذا التعقيد؛ فقد اعترف أكابرهم بصعوبة إدراكه وكونه مما لا يجب على المكلف معرفته.
قال البيجوري: "ومعرفة التعلقات غير واجبة على المكلف لأنها من غوامض علم الكلام، كما نقله الشيخ البرَّاوي (^١) عن سيدي محمد الصغير، وذكره الشيخ الشنواني" (^٢).
_________________
(١) هو: عيسى بن أحمد بن عيسى بن محمد الزبيري البراوي الأزهري المصري الشافعي، من كتبه: "التيسير لحل ألفاظ الجامع الصغير"، و"حاشية على شرح جوهرة التوحيد"، مات بالقاهرة سنة (١١٨٢ هـ). انظر: سلك الدرر (٣/ ٢٧٣)، الأعلام للزركلي (٥/ ١٠٠).
(٢) تحفة المريد (١٤٢).
[ ١ / ١٩١ ]