الخلاف في هذه القاعدة مع طائفتين: المتكلمين والفلاسفة.
أما المتكلمون فذهبوا إلى أن العلم ليس سببًا لوجود المعلوم، بل هو تابع له على ما هو عليه ولا تأثير له فيه.
صرح بذلك عدد من أئمتهم، فقال الغزالي: "العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، ولا يؤثر فيه ولا يغيره" (^١).
وقال الجُوَيني (^٢): "وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه، بل يتبعه في النفي والإثبات، ولو كان العلم يؤثر في المعلوم؛ لما تعلق العلم بالقديم ﷾" (^٣).
وقال الرازي: "العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه" (^٤).
وقال الزمخشري: "العلم تابع للمعلوم لا يتعلق به إلا على ما هو عليه" (^٥).
بل قد حكى الشهرستاني اتفاق المتكلمين على ذلك، فقال: "ولذلك اتفق المتكلمون بأسرهم على أن العلم يتبع المعلوم فيتعلق به على ما هو به، ولا
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد (١٠١)، وانظر: المستصفى (١/ ٢٩٠).
(٢) هو: أبو المعالي، عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني النيسابوري الأشعري، المعروف بإمام الحرمين، شيخ الشافعية، ولد سنة (٤١٩ هـ)، من كتبه: "العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية"، و"نهاية المطلب في دراية المذهب"، مات سنة (٤٧٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥).
(٣) البرهان (١/ ١٠٥).
(٤) مفاتيح الغيب (١٩/ ٧٥)، وانظر: المحصول (٢/ ٢١٦).
(٥) الكشاف (٤/ ٥٠٥).
[ ١ / ٢٠٣ ]
يكسبه صفةً ولا يكتسب عنه صفةً" (^١).
وذهب الفلاسفة إلى أن علم الله سبحانه سبب في وجود المعلوم، وأن هذا العلم بمجرده هو الموجب لوجود المخلوقات، وليس للمشيئة والقدرة في ذلك مدخل.
قال ابن سينا: "الصور العقلية قد يجوز بوجه ما أن تُستفاد من الصور الخارجية، مثلًا كما تستفيد صورة السماء من السماء، وقد يجوز أن تسبق الصورة أولًا إلى القوّة العاقلة، ثم يصير لها وجود من خارج، مثل ما تعقل شكلًا ثم تجعله موجودًا، ويجب أن يكون ما يعقله واجب الوجود من الكلّ على الوجه الثاني" (^٢).
وهذا تصريح واضح في أنّ علم الله سبحانه علم فعلي لا انفعالي، فقد قال الطوسي في شرحه: "فقسم المفعولات إلى ما تكون عللًا لوجود الأعيان الخارجية التي هي صورها، كتعقل الإنسان عملًا غريبًا لم يسبقه أحد إليه، وإيجاد ما يعقله بعد ذلك، ويسمى علمًا فعليًّا، وإلى ما تكون معلولات الأعيان الخارجية كتعقل الإنسان شيئًا شاهد صورته، ويسمى علمًا انفعاليًّا. ونفى المصنف الثاني عن الأول تعالى، لامتناع انفعاله عن غيره" (^٣).
وقال الشهرستاني: "ومن مذهبهم [أي الفلاسفة] أنه ليس علم الباري تعالى علمًا انفعاليًّا - أي تابعًا للمعلوم -، بل علمه علم فعلي فهو من حيث هو
_________________
(١) نهاية الإقدام في علم الكلام (٧٠).
(٢) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٣) شرح الطوسي بهامش الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
فاعل عالم وعلمه هو الذي أوجب الفعل" (^١).
والرد على هاتين المقالتين من وجوه:
الأول: أن تقسيم العلم إلى سببي وغير سببي أمر معلوم ببداهة العقل، فكل أحد يدرك أن العلم ببعض الأشياء كأخبار من سلف من الأمم ليس سببًا في وجود هذا المعلوم بضرورة العقل، إذ هو سابق في وجوده، ويدرك كذلك أن من العلم ما هو شرط في حصول المعلوم، كبناء دار؛ فلا يمكن لأحد أن يبني بيتًا وهو جاهل بصناعة البناء.
الثاني: أن الفلاسفة في نفيهم للعلم غير السببي، وكذا المتكلمون في نفيهم للعلم السببي كلاهما معترف ضمنًا بالقسمة، وإن عبَّر بنفيها، وإن أنكروها فهي لازمة لهم.
فمن يقر من الفلاسفة بأن الله سبحانه يعلم نفسه - وهم أكثر الفلاسفة (^٢) - يلزمه أن يقر بأن علمه سبحانه بها ليس سببًا فيها؛ لأن ذاته سبحانه غير مخلوقة.
وأما المتكلمون فإنهم يقرون بأن العلم بالشيء الذي سيفعله الفاعل شرط في حصول ذلك الشيء، وإذا كان شرطًا في حصوله فهو سبب مؤثر فيه، ولذلك فإنهم يستدلون على ثبوت العلم للرب سبحانه بدليل الإحكام والإتقان (^٣)، فلو لم يكونوا مقرين بوجود هذا القسم لما صحَّ لهم الاستدلال
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ٨٢).
(٢) انظر: تلبيس إبليس (١/ ٣٢٥).
(٣) انظر مثلًا: شرح الأصول الخمسة (١٥٦)، وشرح العقائد النسفية (٣٦)، وشرح السنوسية (٩٣)، وتحفة المريد (١٢٧).
[ ١ / ٢٠٥ ]
كما لا يخفى.
ولذلك وُجد من علماء الكلام من نص على القسمين، كما فعل الإِيجِي (^١) في "المواقف"، فقد قال: "العلم إما فعلي كما نتصور أمرًا ثم نوجده، وإما انفعالي كما يوجد أمر ثم نتصوره، فالفعلي قبل الكثرة، والانفعالي بعدها" (^٢).
وأقره على ذلك الشارح الجرجاني، والسِّيَالكوتي (^٣) وحسَن جَلبي (^٤) في حاشيتهما عليه (^٥)، ولذلك قال شيخ الإسلام: "وما أظن العقلاء من الفريقين إلا يقصدون معنى صحيحًا؛ وهو أن يشيروا إلى ما تصوروه؛ فينظر هؤلاء في أن العلم تابع لمعلومه مطابق له، ويشير هؤلاء إلى ما في حسن العلم في الجملة من أنه قد يؤثر في المعلوم وغيره ويكون سببًا له، وأن وجود الكائنات كان
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد، عضد الدين الإيجي الشيرازي الشافعي الأشعري، من كتبه: "المواقف في علم الكلام"، و"شرح مختصر ابن الحاجب"، مات سنة (٧٥٦ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٤٦)، والدرر الكامنة (٣/ ٣٢٧).
(٢) المواقف (١٤٥).
(٣) هو: عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي البنجابي، من كتبه: "عقائد السيالكوتي"، و"زبدة الأفكار"، مات سنة (١٠٦٧ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ٢٨٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٦٠).
(٤) هو: حسن جلبي بن محمد شاه بن حمزة، بدر الدين الرومي الحنفي، ويعرف بالفناري، من تصانيفه: "حاشية على شرح صدر الشريعة"، و"حاشية على شرح الشريف الجرجاني لمواقف الإيجي"، مات سنة (٨٨٦ هـ). انظر: الضوء اللامع (٣/ ١٢٧)، الفوائد البهية (٦٤).
(٥) شرح المواقف للجرجاني مع حاشيتي السيالكوتي والجلبي (٦/ ٤٣).
[ ١ / ٢٠٦ ]
بعلم الله" (^١).
إلا أن إطلاق المتكلمين أحسن وأصوب من إطلاق الفلاسفة (^٢).
الثالث: أن كلا العلمين السببي وغير السببي متلازمان، ويجتمعان في العلم غالبًا أو دائمًا كما تقدم، وهذه القسمة الحاصلة إنما كانت نتيجة لكون ثبوت المعلوم في نفس العالم وتصوره قد يكون سابقًا لوجوده في الخارج، كتصور أحدنا لأقواله وأفعاله، وقد يكون وجوده الخارجي هو السابق، فلا يتأتى لأحد - والحال هذه - إنكار أحدهما، بل يلزم الإقرار بهما معًا.
وأما زعم الفلاسفة بأن العلم موجب لوجود المعلوم بدون القدرة والمشيئة فباطل، إذ يلزم عليه قدم المخلوقات؛ لأن علمه سبحانه أزلي، فإذا كان وجود المخلوقات غير مشروط بالقدرة والإرادة، والعلم أزلي؛ فالمخلوقات أزلية، وهذا باطل بالضرورة، ثم إن تأثير القدرة والمشيئة في وجود المراد أظهر من تأثير العلم (^٣)، فلا يصح نفي سببيتهما، وهذا معلوم لكل أحد، والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).
(٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٢)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).
(٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩١).
[ ١ / ٢٠٧ ]