مخالفو أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة على ضربين:
الأول: من مخالفته غير خارجة عن مجمل الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.
الثاني: من مخالفته خارجة عن الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.
أما الصنف الأول،؛ فهم المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
أما المعتزلة؛ فعباراتهم في تفسير المحو والإثبات تدل على إثباتهم له، ومن ذلك قول القاضي عبد الجبار في تفسير ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]: المراد بذلك أنه ﷻ يمحو عن المؤمن الصغائر لأنها مغفورة، ويحتمل أنه الناسخ والمنسوخ، ويحتمل أنه يمحو ما لا مدخل له في الثواب والعقاب، ويثبت ما له مدخل في ذلك، ويحتمل أنه يمحو ما كتب من آجال وأرزاق من مضى ويثبت ذلك فيمن يبقى ويحدث" (^١).
وبنحوه قول الزمخشري: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ غيره، وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة ويثبت إيمانهم وطاعتهم، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضًا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أصل كل كتاب وهو
_________________
(١) تنزيه القرآن (٢٠٤).
[ ١ / ٢٤٥ ]
اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه" (^١).
ويظهر من هذين النقلين أن المعتزلة يقرون بالمحو والإثبات في المقادير في الجملة.
وأما الأشاعرة؛ فإنهم يثبتون المحو والإثبات كذلك، ومن ذلك قول البيجوري - في حديث زيادة العمر بصلة الرحم -: "فالزيادة - بحسب الظاهر - على ما في صحف الملائكة، وإلا فلا بد من تحقق ما في علمه تعالى، كما يشير له قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، أي أصل اللوح المحفوظ وهو علمه تعالى الذي لا محو فيه ولا إثبات، وأما اللوح المحفوظ؛ فالحق قبول ما فيه للمحو والإثبات كصحف الملائكة، وبعضهم فسر أم الكتاب باللوح المحفوظ لأنه ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، والراجح الأول" (^٢).
ومن ذلك أيضًا ما فعله الرازي، فقد ذكر أن في المحو والإثبات في الآية قولين: العموم في كل شيء، والتخصيص ببعض الأشقياء دون بعض، ثم أورد اعتراض سبق المقادير وجفاف القلم، وأجاب عليه بأن ذلك المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه (^٣). فتقريره هذا صريح في إثبات ذلك.
وأما الماتريدية؛ فيثبتون المحو والإثبات في المقادير كذلك، ومن ذلك
_________________
(١) الكشاف (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٢) تحفة المريد (٢٦٣ - ٢٦٤).
(٣) انظر: مفاتيح الغيب (١٩/ ٦٦ - ٦٧).
[ ١ / ٢٤٦ ]
صنيع إمامهم أبي منصور الماتريدي في تفسيره عند آية الرعد؛ فإنه ذكر أن من المعاني التي يحتملها المحو والإثبات: محو ما لا جزاء له ولا ثواب وإبقاء ما له جزاء وثواب مما يكتبه الحفظة من الأعمال والأفعال، أو محو ما في صحف الحفظة مما كتبوه من أعمال العباد من الزيادة على ما في اللوح المحفوظ عند معارضتها به، وإثبات ما فيه من الزيادة عليها فيها (^١).
فهؤلاء جميعًا لا ينكرون ثبوت المحو والإثبات في المقادير، وجملة مقالتهم من جنس أقوال أهل السنة.
وأما الصنف الثاني؛ فهم على قسمين:
الأول: من ينكر المحو والإثبات من أصله، ويؤول ما جاء في النصوص من أدلة عليه.
الثاني: من يثبت المحو والإثبات في علم الله سبحانه.
أما الصنف الأول؛ فهو ما يُفهم من مذهب الصوفية أصحاب الكشف والذوق، فقد أنكروا وقوع المحو والإثبات في المقادير، وأولوا ما ورد من أدلة عليه.
قال القُشَيري (^٢): "المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة.
_________________
(١) انظر: تأويلات أهل السنة (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٢) هو: أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري الشافعي الصوفي، ولد سنة (٣٧٥ هـ)، من كتبه: "التفسير الكبير"، و"الرسالة القشيرية"، مات سنة (٤٦٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٧)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٥٣).
[ ١ / ٢٤٧ ]
فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة، وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة، فهو صاحب محو وإثبات. . .
وأما حقيقة المحو والإثبات، فصادران عن القدرة، فالمحو: ما ستره الحق ونفاده (^١)، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه، والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قيل: يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله.
ومحو الحق لكل أحد وإثباتهُ على ما يليق بحاله، ومن محاه الحق سبحانه على مشاهدة أثبته بحق حقه، ومن محاه الحق عن إثباته به ردَّه إلى شهود الأغيار، وأتيته في أودية التفرقة" (^٢).
وقال ابن عَطاء الأَدمي (^٣): " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ عن رسوم الشواهد والأعراض وكلما يورد على سره من عظمته وحرمته وهيبته ولو غاب أنواره، فمن أثبته فقد أحضره ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوعه لا يعدوه" (^٤).
وقال الواسطي: "يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم في شواهدهم، ويمحوهم عن شواهدهم ويثبتهم في شاهد الحق، ويمحو رسوم نفوسهم
_________________
(١) كذا في المطبوع، ولعل الصواب "ونفاه".
(٢) الرسالة القشيرية (١٥٦ - ١٥٧).
(٣) هو أبو العباس، أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الادمي البغدادي الصوفي العابد، راج عليه حال الحلاج وامتحن بسببه، مات سنة (٣٠٩ هـ). انظر: طبقات الصوفية (٢٠٤)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٤٤)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٥٥).
(٤) تفسير السلمي (١/ ٣٣٦).
[ ١ / ٢٤٨ ]
عن نفوسهم ويثبتهم برسمه" (^١).
فهذه الأقوال منهم تبين إنكارهم للمحو والإثبات وتأويلهم له إلى ما ذُكر، وهذا القول باطل، وبطلانه من وجهين:
الأول: أنه عار عن دليل صحيح من كتاب أو سنة.
الثاني: أن إنكار المحو والإثبات لم يؤثر عن أحد من سلف الأمة، بل المأثور عنهم إثباته، وإن وقع في عباراتهم اختلاف في محل المحو والإثبات وما الذي يمحى ويثبت - على ما سبق بيانه -.
وأما الصنف الثاني؛ فهم الرافضة - قاتلهم الله - والذين ذهبوا إلى القول بالبداء وتغير علم الله سبحانه.
والبَداء في اللغة: من البدوّ، يقال: بدا يبدو بدوًّا وبداءً، وهو الظهور بعد خفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤].
ومنه تغير الرأي عما كان عليه؛ تقول: بدا لي في هذا الأمر بداء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (^٢).
والبداء لا يجوز نسبته إلى الرب سبحانه، لأنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما باطل ينزه الله سبحانه عنه.
وأصل القول بالبداء إنما كان عبد الله بن سبأ (^٣)، وتلقفه عنه المختار
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٠٢)، ومقاييس اللغة (١/ ٢١٢)، مادة: (بَدَو).
(٣) انظر: التنبيه والرد (١٧).
[ ١ / ٢٤٩ ]
الثقفي الكذاب وسرى في أتباعه الكَيسَانية (^١).
وللقول بالبداء منزلة عظيمة عند الرافضة قبحهم الله، وهو من أعظم العبادات عندهم.
وقد أفرد الكُليني (^٢) للبداء بابًا في كتاب التوحيد من "أصول الكافي"، ذكر فيه ستة عشر حديثًا عن الأئمة في تقرير هذه العقيدة الخبيثة، منها:
عن زرارة عن أحدهما أنه قال: "ما عُبد الله بشيء مثل البداء" (^٣).
وعن أبي عبد الله أنه قال: "ما عُظِّم الله بمثل البداء" (^٤).
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين (٣٠)، والفرق بين الفرق (٤٦ و٥٣ - ٥٤)، والكيسانية هم: فرقة من الروافض، أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، كيسان، الذي كان قام يطلب ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب وكان يقتل من يظفر به ممن كان قاتله بكربلاء، وهم فرق يجمعهم القول بنوعين من البدعة: تجويز البداء على الله تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، وقولهم بإمامة محمد بن الحنفية، ثم اختلفوا في سبب إمامته، واختلفوا كذلك في موته، فقالت الكربية منهم: لم يمت، وإنه في جبل رضوى وعنده عين من الماء وعين من العسل وأسد ونمر يحفظانه، هانه المهدي المنتظر، وذهب الباقون من الكيسانية إلى الإقرار بموته، واختلفوا في الإمام بعده، ومن فرقهم كذلك: البيانية والحربية وهما من الغلاة. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٩٢)، والفرق بين الفرق (٤٦)، والفصل (٥/ ٣٥)، والتبصير في الدين (٣٠)، والملل والنحل (١/ ١٧٠).
(٢) هو: أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرافضي، من أهل كلين بالري، من كتبه: "الكافي" و"الرد على القرامطة"، مات سنة (٣٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٠)، ولسان الميزان (٧/ ٥٩٤).
(٣) أصول الكافي: كتاب التوحيد، باب البداء (١/ ١٩٤).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وعن الرضا أنه قال: "ما بعث الله نبيًّا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقرَّ لله بالبداء" (^١).
وعن أبي جعفر قال: "العلم علمان، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون؛ لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء" (^٢).
وعن أبي عبد الله قال: "إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه" (^٣).
فهذه روايات صريحة في وقوع التغيير في علم الله سبحانه.
وقد أجمع الرافضة على القول بالبداء، كما نقل إجماعهم على ذلك المفيد في "أوائل المقالات" (^٤).
وهذه العقيدة أقل شأنًا من أن يُشتغل بالرد عليها، ويكفيها بطلانًا مخالفتُها لإجماع أهل القبلة على أن علم الله لا يلحقه النقص ولا التغير، إضافة لما اشتملت عليه من لوازم باطلة.
ووجه إيراد مخالفة هؤلاء هنا أمران:
الأول: أنهم استدلوا بأدلة المحو والإثبات في المقادير على مذهبهم.
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٩٩).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٩٨).
(٣) المصدر السابق (١/ ١٩٨).
(٤) ص (٤٦)
[ ١ / ٢٥١ ]
الثاني: أنهم يقولون - على هذا - بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، إذ الذي في اللوح المحفوظ علم الرب سبحانه، والله أعلم.
[ ١ / ٢٥٢ ]