خالف أهلَ السنة في هذه القاعدة المعتزلة، وكلام المعتزلة في القدرة كثير ومتشعب، والذي يهمنا هنا كلامهم في هذه المسألة، وهي شمول القدرة وشمول المشيئة، وجواز تعلق القدرة بكل ما يجوز أن تتعلق به المشيئة والعكس.
ومذهبهم في هذه المسألة أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه، فمخالفتهم في أمور:
الأمر الأول: جعلهم المعدوم شيئًا في الخارج.
الأمر الثاني: إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.
الأمر الثالث: تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة.
أما الأمر الأول: فاشتهر في أول أمره عن معتزلة بغداد، وقال به أبو الحسين الخَيَّاط (^١)، والشَّحَّام (^٢)، ثم من بعدهما (^٣)، وقد حكى الإسفراييني اتفاق المعتزلة على ذلك خلا الصالحي، وحكى عنهم أنهم يقولون إن الجوهر
_________________
(١) هو: أبو الحسين، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط، شيخ المعتزلة ببغداد، تنسب إليه فرقة منهم تدعى: "الخياطية"، له كتب منها: "الانتصار"، و"الاستدلال"، مات سنة (٣٠٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٣٧٣)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٢٠)، الأعلام (٣/ ٣٤٧).
(٢) هو: أبو يعقوب يوسف بن عبيد الله الشحام البصري، صاحب أبي الهذيل العلاف، وشيخ أبي علي الجبائي، انتهت إليه رئاسة المعتزلة بالبصرة في وقته، من كتبه: "الاستطاعة على المجبرة"، وله كتاب في "تفسير القرآن"، مات نحو سنة (٢٨٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥٢)، ولسان الميزان (٨/ ٥٦٠)، والأعلام للزركلي (٨/ ٢٣٩).
(٣) انظر: الوجود والعدم بين المعتزلة والأشاعرة (٣٥).
[ ١ / ٢٧٥ ]
قبل وجوده جوهر والعرض عرض، وأن هذه الأمور متحققة قبل الوجود، والوجود لم يزدها شيئًا (^١).
وممن حكى عنهم ذلك أيضًا: البغدادي، إلا أنه جعل القول بأن الجوهر قبل وجوده جوهر: قول البصريين منهم (^٢)، وحكاه الأشعري قولًا للبغداديين منهم إلا في العرض (^٣)، وجعل ابن حزم هذا قول سائر المعتزلة عدا هشَام بن عمرو الفُوطي (^٤).
واحتجوا على هذه المقالة بما جاء في النصوص من الإخبار عن بعض المعدومات بأنها شيء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].
واحتجوا كذلك بكون المعدوم يُخبَر عنه ويُوصَف ويُتمنى، ومن المحال أن يكون ما هذه صفته ليس شيئًا (^٥).
وهذه المقالة بنوها على التفريق بين الوجود والماهية، وأن الوجود قدر زائد على الماهية، فماهية الشيء - أي عينه - عندهم ثابتة قبل وجوده (^٦).
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين (٦٣).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٦).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤١).
(٤) الفصل (٥/ ١٥٥)، وانظر حكاية قول الفوطي والصالحي في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والفوطي هو: أبو محمد هشام بن عمرو الفوطي الكوفي المعتزلي، مولى بني شيبان. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٧)، ولسان الميزان (٨/ ٣٣٧).
(٥) انظر: الفصل: (٥/ ١٥٥).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٥٦).
[ ١ / ٢٧٦ ]
وجعْل المعتزلة المعدوم شيئًا في الخارج أمرٌ مردود من وجوه:
الأول: عدم الدليل الصحيح على ذلك، أثرًا كان أو نظرًا، وما استدلوا به من نصوص لا يُسلم لهم، والصواب في ذلك أن للشيء وجودًا ذهنيًّا، ووجودًا لفظيًّا ووجودًا رسميًّا خطيًّا، ووجودًا خارجيًّا - كما تقدم -، فما ورد من نصوص في إطلاق الشيء على ما هو معدوم؛ فمحمول على غير الوجود الخارجي، إما اللفظي أو الذهني العلمي، أو الرسمي، لكن المعتزلة لما لم يهتدوا لهذا التقسيم - أو لما لم يقروا به - توهموا أن الوجود مقصور على الوجود الخارجي، فظنوا أن إطلاق الشيء على المعدوم يقتضي كونه موجودًا.
الثاني: أن التفريق بين الوجود والماهية باطل، فوجود الشيء عين ماهيته، وماهيته عين وجوده، سواء قصد بالوجود الذهني أو اللفظي أو الخطي أو الخارجي العيني، ومن جعل الوجود زائدًا على الماهية؛ لزمه أن يجعل الماهية قابلة للوجود، والوجود صفة لها فيجعل الوجود الواجب صفة لغيره، وهذا باطل (^١)، يوضحه:
الثالث: أن هذا يلزم عليه كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج، وهذا باطل، إذ ليس في الخارج إلا عين الشيء ووجوده (^٢).
فخلاصة الأمر أن الماهية والوجود شيء واحد، لا فرق بينهما، وإن كان إطلاق الماهية - في الاصطلاح - أكثر على الوجود الذهني، وإطلاق الوجود
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٠٣).
[ ١ / ٢٧٧ ]
أكثر على الحقيقة الخارجية (^١).
وأما الأمر الثاني: وهو إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.
وهذا أصل متفق عليه عند كل المعتزلة، فقد اتفقوا على إخراج أفعال العباد عن قدرة الرب سبحانه ومشيئته، وجعلوا العباد هم المحدثين لها بقدرتهم وإرادتهم، وليس للقدرة والمشيئة الإلهية في ذلك مدخل.
قال القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعلٍ من فاعلَيْن" (^٢).
وقال في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" (^٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (^٤).
وحكى البغدادي اتفاق المعتزلة على أن الله سبحانه لم يشأ ما لم يأمر به، وما لم ينه عنه من أفعال العباد (^٥).
_________________
(١) الرد على المنطقيين (١٠٧).
(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٢١٨).
(٤) المصدر السابق (٦/ ٢٢٠).
(٥) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٥).
[ ١ / ٢٧٨ ]
والمعتزلة تطلق القول بعموم القدرة، فيقولون: الرب قادر على كل المقدورات، أو على سائر أجناس المقدورات، كما في قول القاضي عبد الجبار: "وأنه [أي الرب سبحانه] قادر على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس على ما لا يتناهى، وأنه لا ينحصر مقدوره لا في الجنس ولا في العدد" (^١).
وليس مرادهم من ذلك عموم قدرة الرب على كل شيء، بل مرادهم قدرته على كل مقدور له، ومن الأشياء ما لا يدخل تحت مقدوره، فقد ذهب المعتزلة - عدا الشحام - إلى أن الله سبحانه لا يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده، وإنما النزاع بينهم في قدرته على جنس ما أقدر عليه العباد على قولين، وتنازعوا كذلك في قدرته على الظلم، واكثرهم على إثبات ذلك، وبعضهم يطلق القول بقدرته على الظلم لا على أن يظلم (^٢)، وذهبوا كذلك - عدا ضرار بن عمرو وبشر بن المعتمر - إلى أن الله سبحانه لا يقدر على لطف يلطف به الكافر حتى يؤمن، وأنه ليس في قوة الرب سبحانه أحسن مما فعل بنا (^٣).
بل قد ذهب أبو الهُذَيل (^٤) منهم إلى أن مقدورات الرب تفنى حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرًا على شيء، ومن هنا قال بفناء حركات أهل
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (١٥٥).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤ - ٢٧٤)، والفصل (٥/ ٥٩).
(٣) انظر: الفصل (٥/ ٥٧)، وانظر (٥/ ٥٩) منه.
(٤) هو أبو الهذيل، محمد بن محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي العلاف، مولى عبد القيس، من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة سنة (١٣٥ هـ)، كان خبيث القول، فارق إجماع المسلمين، هلك في سنة (٢٢٧ هـ)، وقيل (٢٣٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٥٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٢).
[ ١ / ٢٧٩ ]
الجنة والنار (^١).
وذهب النظام منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على فعل ما علم أن غيره أصلح منه (^٢).
وذهب الجَاحِظ (^٣) إلى أن الله سبحانه لا يقدر على إفناء الأجسام بالكلية وإنما يرققها ويفرق أجزاءها فقط (^٤).
وذهب هشام بن عمرو الفوطي منهم إلى أن الله سبحانه إذا خلق شيئًا فإنه لا يقدر على أن يخلق مثل ذلك الشيء أبدًا، لكن يقدر على أن يخلق غيره (^٥).
وذهب عبَّاد بن سليمان (^٦) منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على أن يخلق غير ما خلق (^٧)، وهو قول الأسوارية منهم أتباع علي الأسواري (^٨).
والمقصود بيان ضلال المعتزلة في إخراجهم قدرة الله سبحانه عن عمومها
_________________
(١) انظر: الفرق بين الفرق (١١١)، والفصل (٥/ ٥٨).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٢١).
(٣) هو: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي الجاحظ، أخذ عن النظام، كان ماجنًا قليل الدين، له نوادر، من كتبه: "الرد على النصارى"، و"البيان والتبيين"، مات سنة (٢٥٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٢٤)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٦).
(٤) انظر: الفصل (٥/ ٦٢).
(٥) انظر: المصدر السابق (٥/ ٦٢).
(٦) هو: عباد بن سليمان الصيمري، من كبار المعتزلة، أخذ عن هشام بن عَمْرو. انظر: لسان الميزان (٤/ ٣٨٩).
(٧) انظر: المصدر السابق (٥/ ٦٣).
(٨) انظر: الفرق بين الفرق (١٣٦).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وتحريفهم معنى قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بقولهم: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وكذلك بيان ضلالهم في إخراجهم المشيئة عن بعض مخلوقاته سبحانه.
ومذهبهم هذا مردود باطل، إذ أنه يتضمن أن يكون في ملك الله ما لا يريده وما لا يقدر عليه، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد (^١)، وسيأتي مزيد تفصيل في الرد عليهم في مبحث أفعال العباد.
وأما الأمر الثالث: وهو تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة؛ فقد صرح به القاضي عبد الجبار فقال: "ونحن إذا قلنا إنه تعالى مريد فلا نعني به كونه قادرًا ولا عالمًا، لأنه قد يريد ما لا يقدر عليه، وقد يقدر على ما لا يريده" (^٢).
وهذا أيضًا واضح البطلان، من وجوه:
الأول: ما تقدم من أدلة على عموم قدرة الرب على كل شيء، فليس ثَمَّ شيء خارج عن القدرة أصلًا.
الثاني: أن لفظ المشيئة - كما تقدم - كوني، فلا بد إذا شاء الرب شيئًا أن يكون، ولا يمكن أن يتخلف أصلًا، والمعتزلة - مع سائر المخالفين - إنما ضلوا في هذا الباب بعدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة، والمراد الكوني والمراد الشرعي، وسيأتي الرد عليهم في هذا في موضعه إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية (١/ ١١٧).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٤٣٤).
[ ١ / ٢٨١ ]