لم يخالف في ثبوت الفطرة، وكون الرب سبحانه خلق عباده عليها أحد من المنتسبين للإسلام، وإنما اختلفوا في تفسير هذه الفطرة، وبعض الخلاف واقع في تفسيرها بين أهل السنة - كما تقدم -.
فذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه.
فهم متفقون على أنه لا يولد أحد على الإسلام ولا على ضده، بل المسلم أحدث لنفسه الإسلام والكافر أحدث لنفسه الكفر، ولكن الله دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما وأقدرهما قدرة تصلح للضدين، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان منه (^١).
قال القاضي عبد الجبار: "فإن قيل: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)؟ قلنا: هذا الخبر يدل على صحة ما نذهب إليه ولا تعلق لكم بهذا الخبر، ففيه أن كل مولود يولد على الفطرة، ومن مذهبكم أن بعض المولودين يولدون على الفطرة والبعض الآخر يولدون على الكفر، فكيف يصح قولكم ذلك؟ وفيه أيضًا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، ومن مذهبكم أنه تعالى المتولي كل ذلك، وأنه على الحقيقة يهوده ويمجسه وينصره. ثم نقول: إن المراد بالخبر أن أبويه يلقنانه اليهودية والنصرانية
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧٨).
[ ١ / ٣٢١ ]
والتمجس لا أنه يصير ذلك" (^١).
ومذهبه هذا ومذهب أسلافه كان سببًا لتفسير بعض السلف لحديث الفطرة بالقدر السابق، قال شيخ الإسلام ﵀: "وإنما قال الأئمة ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة؛ لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه الله على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس. . . فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية" (^٢).
وقول المعتزلة باطل من وجوه ثلاثة:
أولهما: أن القرآن قد دل على أن المراد بها الدين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
وقد فهم أبو هريرة ﵁ هذا منها، ففي الصحيحين عنه أنه قال بعد روايته للحديث: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٣).
الثاني: أن النبي ﷺ بيَّن أن المراد بالفطرة الإسلام، كما في حديث الأسود بن سريع المتقدم وفيه قوله ﷺ: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام) (^٤).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٤٨٢ - ٤٨٣).
(٢) درء التعارض (٨/ ٣٦٢).
(٣) تقدم تخريجه ص (٢٩٠).
(٤) تقدم تخريجه ص (٢٩٢).
[ ١ / ٣٢٢ ]
وكما في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و(إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (^١).
وقد أوَّل القاضي عبد الجبار المراد بالفطرة في الآية إلى "أنه خلق جميع العباد للطاعة والقيام بالدين، على خلاف ما تقوله المجبرة، وذلك أن فطرة الله هي دينه لأنه خلقهم لأجلها وفطرهم لها، فلما فطر الخلق لذلك وصف نفس الدين بأنه فطرة" (^٢)، وتأويله هذا مردود بتصريح النبي ﷺ بكون الفطرة الإسلام، وبإجماع السلف - ومنهم الصحابي أبو هريرة ﵁ صاحب الحديث - على أن المراد بها في الآية: الإسلام (^٣)، وقد تقدمت الأدلة على ترجيح كون المراد بالفطرة الإسلام (^٤).
الثالث: أن مبناه على إنكارهم أن الله سبحانه يهدي ويضل، وإنكارهم أن يكون للرب سبحانه على العبد المطيع نعمة خاصة أعانه بموجبها على الطاعة، وهذان المذهبان باطلان - كما سيأتي في موضعه - فما بني عليهما فهو باطل.
وإنكار المعتزلة كون العبد مفطورًا على الإسلام، وتأويلهم لأحاديث الفطرة جرَّهم إلى القول بأن معرفة الله سبحانه ليست فطرية، بل هي حاصلة بالنظر، ولذلك أوجبوا النظر، وجعلوه أول الواجبات.
قال القاضي عبد الجبار: "إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله
_________________
(١) تقدم تخريجهما ص (٢٩٢).
(٢) متشابه القرآن (٥٥٦).
(٣) انظر ما تقدم ص (٢٩٠).
(٤) انظر ما تقدم ص (٢٩٠) وما بعدها.
[ ١ / ٣٢٣ ]
عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر" (^١).
وهذا الوجوب عنده عيني، حيث يقول: "الغرض بقولنا إن النظر أول الواجبات: أنه أول واجب لا ينفك أحدٌ من المكلفين عنه" (^٢).
وقد تابع المعتزلة على هذا الأصل: الأشاعرةُ؛ إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في: هل أول واجب هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو أول النظر، أو المعرفة (^٣).
وكل من النظر والقصد إليه حكيا عن الأشعري (^٤).
وهذا الخلاف بينهم لفظي كما بيَّنه التفتازاني: "اختلفوا في أول الواجبات، فقيل معرفة الله تعالى لأنها الأصل، وقيل النظر فيها أو القصد إليه لتوقفها عليه، والحق أنه إن قيد الواجب بما يكون مقصودًا في نفسه فالأول، وإلا فالثاني" (^٥).
وممن قرر ذلك أيضًا الرازي (^٦) والبيجوري (^٧)، واشتط بعضهم فزعم أن أول واجب على العبد الشك، كما ذهب إليه الغزالي (^٨)، وأبو هاشم
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٣٩)، وانظر: (٧٥) منه، والمحيط بالتكليف (١/ ١٧).
(٢) المحيط بالتكليف (١/ ١٩).
(٣) انظر مثلًا: الشامل (١١٥) والإرشاد (٣) كلاهما للجويني، والإنصاف (٢١) للباقلاني، وتحفة المريد (٨٢)، والمقاصد مع شرحه (١/ ٢٧١).
(٤) انظر: تحفة المريد (٨٢).
(٥) المقاصد مع شرحه (١/ ٢٧١).
(٦) انظر: المحصل ص (٤٧).
(٧) تحفة المريد (٨٣)، وانظر: درء التعارض (٧/ ٣٥٣).
(٨) انظر: ميزان العمل (٤٠٩).
[ ١ / ٣٢٤ ]
الجبائي من المعتزلة (^١).
وقد أنكر مقالةَ الأشاعرة هذه بعضُ أئمتهم، يقول الشهرستاني: "فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها - على صانع حكيم عالم قدير، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك" (^٢)، فهو يرى أن معرفة الله فطرية لا تحتاج إلى نظر واستدلال.
وممن أنكر هذه المقالة أيضًا: أبو جعفر السُّمْنَاني (^٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد نقل القدوة أبو محمَّد بن أبي جَمْرة (^٤) عن أبي الوليد
_________________
(١) انظر: المواقف للإيجي (٣٢)، وشرح المقاصد (١/ ٢٧٢)، ودرء التعارض (٧/ ٤١٩).
(٢) نهاية الإقدام (١٢٤).
(٣) هو: أبو جعفر، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي الأشعري، قاضي الموصل، مات بالموصل سنة (٤٤٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢١٧)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١).
(٤) هو: أبو محمد، عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، من العلماء بالحديث، مالكي، أصله من الأندلس، من كتبه: "جمع النهاية"، و"بهجة النفوس"، وله مختصر على البخاري، مات بمصر سنة (٦٩٥ هـ). =
[ ١ / ٣٢٥ ]
الباجي عن أبي جعفر السمناني - وهو من كبار الأشاعرة - أنه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب" (^١).
وإنما قال ذلك لكون هذا القول لا يتوافق مع أصول الأشعرية القاضية بأنه لا واجب إلا بالشرع (^٢).
والقول بإيجاب النظر وأن معرفة الله غير فطرية باطل من وجوه:
الأول: أن النصوص الشرعية دلت على فطرية المعرفة وأنها لا تتوقف على النظر، ومن ذلك ما تقدم في أدلة الفطرة.
الثاني: أن الدعوة إلى عبادة الرب سبحانه كانت أول ما يدعو الرسل إليهم أقوامهم، كما أخبر بذلك الله عنهم في كتابه، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] و[هود: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] و[هود: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] و[هود: ٨٤] ونحوها من الآيات.
_________________
(١) = انظر: طبقات الأولياء (٤٣٩)، والأعلام للزركلي (٤/ ٨٩).
(٢) فتح الباري (١/ ٧١)، وانظر: (١٣/ ٣٤٩) منه.
(٣) انظر: درء التعارض (٨/ ١٢ - ١٣).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
الثالث: أن النبي كان يأمر رسله الدعاة بالبداءة بالتوحيد، مثل ما في حديث معاذ في بعث النبي له إلى اليمن، فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا نحو اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا؛ فاخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك؛ فخذ منهم وتَوَقَّ كرائم أموال الناس) (^١).
الرابع: أن إنكار فطرية المعرفة لم يؤْثر عن أحد من أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها.
فتحصل أن هذا القول محدَث لا أصل له في النصوص وكلام السلف، بل قد اتفق السلف على خلافه.
قال شيخ الإسلام ﵀ عنه: "ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٩/ ١١٤) ح (٧٣٧٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥٠) ح (١٩).
[ ١ / ٣٢٧ ]
غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم، وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال، بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم، بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة" (^١).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٧٠ - ٥٧١)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٧ - ١١٩).
[ ١ / ٣٢٨ ]