سبق معنا في دراسة القواعد السابقة تفصيل الكلام على معنى العبادة الشرعية، بشمولها للاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متضمنة للمحبة والذل للمبعود بحق ﷾، وإلا لم تكن عبادة شرعية ولا نافعة، وهذه القاعدة متعلقة بأعظم ما يجب أن تتضمنه العبادة المعتبرة شرعًا عند الله ﵎، فإنَّها دلت على أنه لا تكون ولا تحصل عبادة بدون التوحيد فهو الركن الأعظم لأي عبادة يتقرب بها إلى المولى ﷾، وبدونه تخرج العبادة عن حدّ العبادة الشرعية المقبولة عند اللّه.
فالتوحيد في حد نفسه عبادة، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أنه ركن في جميع العبادات الباقية لا تنفك عنه عبادة من العبادات وإلا خرجت عن كونها عبادة لله، وخرج فاعلها عن كونه عَبَدَ الله، أو عَبْدُهُ المستقيم على عبادته؛ فإن من لم يفرد الله بالعبادة فإنَّه لم يعبده.
[ ١ / ٣١٩ ]
والقاعدة نصت على أن العبادة -التي أمر الله بها- لا تسمى عبادةً إلا مع توحيده تعالى، فلا تصح عبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عَبَدَ الله تعالى إلا من حقق التوحيد، وأفرد الله تعالى بالعبادة، فمن عَبَده وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدًا لله (^١).
وبذلك يتضح لنا تفسير -من فسر من السلف- العبادة بالتوحيد، إذ هو أعظم المقصود، وأجلُّ الغايات، كما أنه ركن في جميع العبادات لا تنفك عبادة شرعية عنه بحال من الأحوال مهما كان.
فالتجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، حتى يفرد الله بالعبادة ويتجرد من الشرك، ويعبده سبحانه وحده دون من سواه (^٢).
ولا يعني ذلك أن من عَبَدَ مع الله غيره وأشرك في عبادته ليس فاعلًا للعبادة اللغوية، بل هي واقعة منه لغة؛ لأنَّها في اللغة من الذل والتطامن والخضوع، والمقصود من القاعدة العبادة الشرعية؛ أي: أن فعله لا يسمى عبادة شرعًا.