إن من سُنّة الله تعالى في خلقه أن خلق الخير والشر منذ بدء الخليقة وإلى نهاية الدنيا، وله سبحانه في ذلك الحكمة البالغة، فمن ذلك أنه جعل لكل من يدعو إلى الخير مضادًا ومعارضًا يعارضه في دعوته للخير بنشر الشر وإحقاق الباطل، والإفك والعدوان، ولذا جعل لكل نبي من الأنبياء عدوًا يعارض دينهم، ويضع العراقيل في طريق دعوتهم، ويفتري الكذب، ويصنع الشبهات التي تصد الناس عن التزام طريقهم، والسير على منهاجهم، هذه سُنَّة ربانية لا تتخلف أبدًا، فكل الأنبياء لهم أعداء، وكذلك أتباعهم من المؤمنين لهم نصيب وافر من هذه العداوة، وهذا الكيد من أعداء الله، وأعداء دينه.
قال تعالى في بيان تاريخ هذه العداوة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال سبحانه:
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١]، وقال - ﷿ -: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣]، وقد جاء في حديث ورقة بن نوفل عندما قال للنبي -ﷺ-: "ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك؛ فقال رسول الله -ﷺ-: أو مخرجي هم؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا" (^١).
وله -﷾- في جعل هؤلاء الأعداء للحق الحكمة البالغة، والغاية العظيمة، ومن تلك الحكم أن وجود الباطل مقابل الحق من أعظم الطرق لظهور الحق وغلبته، وانتصاره، وقوته، وهيمنته على الباطل أجمع، فبظهور الباطل يظهر الحق ناصعًا وغالبًا، وعندها يعلم الله المجاهدين في سبيله والصابرين من أجل نصرة دينه وعلو شريعته.
وقد نصت القاعدة على أن أصل النزاع بين جميع الرسل وأقوامهم إنما كان في توحيد الرب ﵎ بالعبادة، وإفراده بجميع العبادات، وعدم صرف شيء من العبادة لغيره -﷾-.
فالصراع الذي دام بين الأنبياء وأتباعهم وبين الأمم الكافرة على مدى تاريخ البشرية الغابر لم يكن في إثبات وجوده سبحانه، ولا كونه ربًّا خالقًا ومالكًا للعالم، فكل هذه المعاني في الجملة من المُسَلَّمَات التي كان يعتقدها أهل الكفر ويؤمنون بها (^٢)، بل ولم ينازعوا الرسل في كونه سبحانه يستحق العبادة؛ لأنَّهم ما تركوا عبادة الله تعالى، بل كانت لهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، بدء الوحي (١/ ٤) برقم (٣)، عن عائشة -﵂-.
(٢) اعتقادهم لربوبية الله تعالى عمومًا لم يكن تامًا صحيحًا، بل هم في الجملة يسلمون ببعض معاني الربوبية خاصة الخلق، والملك، والإحياء، والإماتة، وغير ذلك مما ذكره الله عنهم في القرآن، وسيأتي بيان هذه المسألة بتفصيل في قاعدة مستقلة (ص ٤٥٠).
[ ١ / ٢٢١ ]
عبادات يصرفونها لله تعالى، وقد يخلصون في عباداتهم في أوقات الشدة والضيق، وإنما النزاع بينهم وبين الرسل في تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون كل ما سواه جلَّ وعلا (^١).
هذا هو محك الخصومة، وأساس النزاع، ومنبع العداوة بين الأنبياء وأقوامهم، فالأنبياء ما زالوا يدعونهم إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، وأقوامهم المشركون ما فتئوا يعاندون، ويستكبرون، ويصرون على الشرك بالله العظيم، والعكوف على عبادة الأوثان، ويصدون عن ذكر الله كثيرًا، إلا من هداه الله منهم فرجع إلى التوحيد وإخلاص التعبد لله وحده.