يستدل لهذه القاعدة بالنصوص الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه تعالى، فهو العالم بما كان وبما سيكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو القادر على إيصال النفع أو الضر إلى من يشاء من خلقه، وهذا من أعظم أصول الإسلام، وقواعده العظام:
لقد دلَّ على تقرير هذا الأصل أدلة لا تكاد تحصى كثرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله: فَقُل ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥] وقوله جلَّ وعز: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] والشرع قد حافظ على هذا الأصل العظيم، وشدَّد فيه، وحرَّم كل الطرق والوسائل المؤدية إلى خدشه وزعزعته، وبذلك يكون قد حث على تكميل الأديان بالمحافظة عليها وعلى تكميل العقول بصيانتها، وتوضيح ذلك فيما يلي:
١ - أنه حرَّم إتيان الكهان، وسؤال العرافين، أو تصديقهم، وهم الذين يدعون معرفة الغيوب، ويحدثون الناس بما يكون في المستقبل؛ سواء كان عامًا أو خاصًا، فالشرع حرَّم إتيانهم وسؤالهم حفاظًا على الدين، وصيانة للعقول من الجري وراءهم، ولذا جاء فيما رواه أبو هريرة والحسن - ﵄ -: عن النَّبِيّ -ﷺ- قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-" (^١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، برقم (٩٥٣٢)، من طريق خلاس عن =
[ ١ / ١١١ ]
وقال -ﷺ-: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (^١).
وجاء عن ابن مسعود -﵁- موقوفًا قال: "من أتى كاهنًا فسأله وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ- " (^٢).
يقول الشيخ السعدي في شرحه لباب: (ما جاء في الكهان ونحوهم) من كتاب التوحيد للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "أي: من كل من يدّعي علم الغيب بأي طريق من الطرق، وذلك أن اللَّه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة اللَّه في شيء من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل اللَّه شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب اللَّه ورسوله.
وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك، والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة اللَّه في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير اللَّه، وفيه إبعاد الشارع للخلق عن الخرافات المفسدة للأديان والعقول (^٣).
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤): "ومن الضلال المبين والجهل
_________________
(١) = أبي هريرة، لكن خلاسًا لم يسمع من أبي هريرة، إلا أن الحاكم قد أخرج الحديث من طريق خلاس بمتابعة محمد بن سيرين. انظر: المستدرك على الصحيحين (١/ ٤٩)، برقم (١٥)، وقال عقبه بن: "هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه". انظر: إرواء الغليل حديث (٢٠٠٦)، والحديث أخرجه البزار من طريق عمران بن حصين (٩/ ٥٢)، برقم (٣٥٧٨)، وقال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح وله شواهد أخر". [انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤٤)].
(٢) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة (٤/ ١٧٥١)، برقم (٢٢٣٠).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢١٠)، برقم (٢٠٣٤٨).
(٤) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٠٠).
(٥) هو: الإمام الجليل، العالم القدوة سماحة الوالد الزاهد الورع أبو عبد اللَّه العزيز بن =
[ ١ / ١١٢ ]
العظيم تصديق الكهان، والعرافين، والرمالين، والمنجمين، والمشعوذين، والدجالين، بالإخبار عن المغيبات؛ فإن هذا منكر، وشعبة من شعب الكفر فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة، والعرافين، وسائر المشعوذين، والمشتغلين بالإخبار عن المغيبات، والمتلاعبين بعقول الجهلة، والتلبيس على المسلمين؛ فالأمور الغيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم ما تكن الصدور، ويعلم الخفايا، حتَّى أنبياؤه ورسله، وملائكته، لا يعلمون شيئًا من المغيبات إلا ما أخبرهم به سبحانه" (^١).
فسؤال الكهان، وتصديقهم فيما يقولونه من الكفر العظيم، لأن فيه ادعاءً لعلم الغيب الذي اختص اللَّه به، وفي هذا غاية الفساد للعقائد والأديان، والتسفيه للعقول والأحلام، ومن صدق من يفعل شيئًا من هذه الأمور فقد كفر بالقرآن الذي نص على أن الغيب من خصوصيات الرب ﵎.
٢ - ما جاء من النهي عن التنجيم، كما في حديث ابن عباس (^٢) -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من اقتبس علمًا من النجوم
_________________
(١) = عبد اللَّه بن باز، ولد عام (١٣٣٠ هـ) بالرياض، صاحب المناقب الكثيرة، والأخلاق الفاضلة الكريمة، له الذكر الطيب والصيت الحسن بين عامة الأمة، وله مؤلفات كثيرة حازت على القبول والرضى من عامة علماء الأمة، ونفع اللَّه بها خلقًا لا يحصيهم إلا هو سبحانه، له جهود عظيمة في الدعوة إلى اللَّه، ونشر العلم، بأسلوب متميز ومؤثر، توفي عام ١٤٢٠ هـ، وصلي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمكة المكرمة، ﵀ رحمة واسعة. [انظر ترجمته في: الإيجاز في ترجمة الشيخ ابن باز، للشيخ عبد الرحمن الرحمة].
(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة ابن باز (٣/ ٩٦).
(٣) هو: حبر الأمة عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له النَّبِيّ -ﷺ- بالفقه في الدين، توفي -﵁- سنة ٦٨ هـ. [انظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٣٤٢)، والإصابة (٢/ ٣٢٢)].
[ ١ / ١١٣ ]
اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" (^١)، وهو ادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، وهو نوع من السحر، وهو ثلاثة أنواع؛ واحد جائز: وهو ما يسمى بعلم التسيير. وهو أن يعلم النجوم وحركات النجوم؛ لأجل أن يعلم القبلة والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي أجرى فيه سُنَّته أنه يحصل فيه من المطر كذا ونحو ذلك، واثنان ممنوعان وهما:
الأول: اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إراداتها، وهذا تأليه للنجوم.
الثاني: ما يسمى بعلم التأثير؛ وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها على ما سيحصل في الأرض في المستقبل (^٢).
ولا شكَّ أن هذا النظر في النجوم، والتوصل بها إلى معرفة الغيوب من ادعاء علم الغيب، وهو نوع من السحر والكهانة، ولا شكَّ أن هذا مناف للتوحيد؛ لما فيه من التعلق بغيره ﷿، واختصاصه بعلم الغيب، كما أن فيه إفسادًا للعقل وتسفيه له لما فيه من تصديق الكهنة والمنجمين فيما توحيه إليهم الشياطين.
يقول الشيخ السعدي: "الشجيم نوعان: نوع يسمى علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، فهذا باطل ودعوى لمشاركة اللَّه في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة، ولما فيه من
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣١١)، برقم (٢٨٤١)، وأبو داود في سننه (٤/ ١٦)، برقم (٣٩٠٥)، وصححه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٢/ ١٠٢٩).
(٢) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٤٤).
[ ١ / ١١٤ ]
تعلق القلب بغير اللَّه، ولما فيه من فساد العقل؛ لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان" (^١).
٣ - ما جاء من النهي عن الطيرة والتطير، كما في حديث ابن مسعود -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الطيرة شرك ثلاثًا وما منا إلا ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل" (^٢).
وحقيقة التطير التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح (^٣)، كانوا في الجاهلية إذا أراد أحد أن يذهب إلى مكان، أو يمضي في سفر، استدل بما يحدث له من أنواع حركات الطيور، أو بما يحدث له من الحوادث على أن هذا السفر سفر سعيد فيمضي فيه، أو أنه سفر سيئ فيرجع عنه (^٤).
يقول الشيخ السعدي في حالة التطير الشركية: "وأما الطيرة فإنه إذا عزم على فعل شيء من ذلك من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره، أثر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر:
أحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله، أو بالعكس، فيتطير بذلك، وينكص عن الأمر الذي كان عازمًا عليه، فهذا كما ترى قد علق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق، وعمل عليه، وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله، فلا شكَّ أنه على هذا
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٠٨).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٨٩)، برقم (٣٦٨٧)، وأبو داود في سننه (٤/ ١٧)، برقم (٣٩١٠)، وصححه الشيخ الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧١٦)، برقم (٤٢٩).
(٣) قال ابن السمعاني: "فالسانح: هو الذي يطير من قبل اليمين فيتبرك به الإنسان، والبارح هو الذي يطير من قبل الشمال فيتشاءم به الإنسان". [انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٢٥)].
(٤) التمهيد لشرح كتاب الوحيد (ص ٣٣٥).
[ ١ / ١١٥ ]
الوجه أثَّر على إيمانه وأخل بتوحيده وتوكله، ثم بعد هذا لا تسأل عما يحدثه له هذا الأمر من ضعف القلب، ووهنه، وخوفه من المخلوقين، وتعلقه بالأسباب، وبأمور ليست أسبابًا، وانقطاع قلبه من تعلقه باللّه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله، ومن الخرافات المفسدة للعقل.
الأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا، وهمًّا، وغمًّا، فهذا وإن كان دون الأول لكنه شمر وضرر على العبد، وضعف لقلبه، وموهن لتوكله، وربما أصابه مكروه فظن أنه من ذلك الأمر فقوي تطيّره، وربما تدرج إلى الأمر الأول، فهذا التفصيل يبين لك وجه كراهة الشارع للطيرة وذمها، ووجه منافاتها للتوحيد والتوكل" (^١).