دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة كثيرة، ومنها:
أولًا: النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بأنه (تبارك)؛ أي: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فوصف نفسه تعالى بالتبارك من البركة، وهذه البركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد مرَّ فيما سبق أقوال العلماء في بيان معنى (تبارك) وأنها صفته ﷿.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قال الحسن البصري (^١): " (تبارك): صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه" (^٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط، فإنَّه على هذا يكون قول المصلي (تبارك اسمك)؛ أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها، ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى" (^٣).
وتَبَارُك الرب هو تفاعل من البركة، أي: تباركت ذاته، وتباركت أسماؤه، وتباركت صفاته، وتباركت أفعاله، والمعنى: أي: عظمت وجلت وبلغت غاية الكمال والعظمة.
ويقول ابن القيم في معرض ذكر أوصاف الله تعالى والثناء عليه: "له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه" (^٤).
ويقول ﵀: "تبارك اسمه فلا يذكر على قليل إلا كثره، وعلى خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المسمى أعلى وأجل" (^٥).
_________________
(١) هو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم البصري، قال ابن حجر: "ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس" توفي سنة ١١٠ هـ. [ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣)، والتقريب (١٦٠)].
(٢) تفسير القرآن للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي (٤/ ٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٩٣ - ١٩٤).
(٤) شفاء العليل (ص ١٨٤).
(٥) الصلاة وحكم تاركها (ص ٢٠١).
[ ١ / ٢٤٦ ]
ثانيًا: النصوص الدالة على أن الله تعالى هو صاحب البركة، الذي يبارك في من شاء من خلقه، إذ هو مصدر البركة ومنشئها وخالقها ومالكها وواهبها.
فعن عبد الله بن مسعود (^١) -﵁- قال: (كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا (^٢)، كنا مع رسول الله -ﷺ- في سفر فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله -ﷺ-، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (^٣).
قال الحافظ ابن حجر: "والبركة مبتدأ والخبر من الله؛ وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله" (^٤).
والمقصود: أن إيجاد البركة وإحداثها وخلقها منه تعالى دون ما سواه.
وقال الشيخ علي القاري في بيان معنى هذا الحديث: ""والبركة
_________________
(١) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الهذلي من السابقين إلى الإسلامي، أسلم بمكة وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وأُحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وغيرها. أحد فقهاء الصحابة وقرائهم المشهورين توفي بالمدينة سنة ٣٢ هـ. [انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١١٠)، وأسد الغابة (٣/ ٣٨٤)].
(٢) قال الإمام الطحاوي: "فاحتمل قول عبد الله: كنا نعدها بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا؛ أي: إنا كنا نعدها بركة، لأنا نخاف بها، فنزداد إيمانًا وعملًا، فيكون ذلك لنا بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، ولا تعملون معها عملًا يكون لكم به بركة، ولم يكن ما قال عبد الله -﵁- عندنا مخالفًا لما جاء به كتاب الله ﷿ من قول الله ﷿: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]؛ أي: تخويفًا لكم بها لكي تزدادوا عملًا وإيمانًا فيعود ذلك لكم بركة". [شرح مشكل الآثار (٩/ ٦)].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣/ ١٣١٢)، رقم (٣٣٨٦)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب: الرخصة في وضوء الجماعة (١/ ١٠٢)، رقم (٢٠٤).
(٤) فتح الباري (٦/ ٥٩٢).
[ ١ / ٢٤٧ ]
من الله"؛ أي: لا من أحد سواه" (^١).
فإضافة البركة إلى الله تعالى إضافة ملك وفعل؛ لأنَّه تعالى هو الذي وفقهم وأسعدهم بتوفيقه لهم (^٢).
ثالثًا: عموم الأدلة الدالة على ملكه ﷾ لجميع ما في الكون من الخيرات والنعم والهبات والأفضال -ومن ضمنها البركة-، وأنه ﵎ هو المعطي والواهب لكل خير وبركة في هذا الكون؛ ومن تلك الأدلة ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
يقول الإمام الطبري: " ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأميين من العرب إلهًا وربًا يعبدونه من دونك؛ كالمسيح، والأنداد، التي اتخذها الأميون ربًا" (^٣).
وقال الشيخ السعدي: "والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها" (^٤).
_________________
(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان القاري (٥/ ٤٦٦).
(٢) انظر: إيضاح الدليل، لابن جماعة (ص ٢٠٧).
(٣) تفسير الطبري (٣/ ٢٢٢).
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٤٤٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
وجاء في تفسير ابن سعدي كذلك: "وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنَّه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفًا ولا اسمًا ولا فعلًا" (^١).
وجاء في صلاة رسول الله -ﷺ- بالليل قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك ") (^٢).
يقول الصنعاني (^٣): "ومعنى "الخير كله في يديك": الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى" (^٤).
ولا شك أن وصول البركة للعباد، وحصولها لهم في أمور دينهم ودنياهم، من أعظم الخير والنعم والفضل، وهذا لا يملكه إلا الله ﵎، يعطيه من يشاء من خلقه، ويصرفه عمن يشاء.