يمكن الاستدلال على هذه القاعدة بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩].
وليس بخاف أنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (^٢)؛ وذلك أنّ رسول الله -ﷺ- وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة، فلمّا هاجر النبيّ -ﷺ- إلى المدينة وقدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، أمره تعالى أن يصلي نحو الصخرة ببيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وهذا قول عامّة المفسّرين (^٣).
وأما وجه دلالة الآيات على معنى القاعدة فمن وجوه:
الأول: دلَّ قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ على أن استقبال القبلة عبادة لله تعالى؛ لأن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، وبيان
_________________
(١) = المناوي القاهري الشافعي. له مصنفات كثيرة منها: فيض القدير شرح الجامع الصغير، وشرح الشمائل للترمذي، توفي سنة ١٠٣١ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٣٥٧)].
(٢) فيض القدير (١/ ٥٢٣).
(٣) ذكر ذلك الإمام الطبري عن ابن عباس -﵄-. انظر: تفسير الطبري (١/ ٥٠٢).
(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٢/ ١٠)، ومال إليه جملة من المحققين منهم الإمام ابن عبد البر، وفي المسألة قول آخر. [انظر: الاستذكار (١/ ١٩)].
[ ١ / ٢٩٩ ]
ذلك أن الله تعالى أثبت للرسول -ﷺ- رضاه وميله ومحبته للتوجه إلى جهة الكعبة، ومن المعلوم أنه -ﷺ- لا يرضى ولا يحب إلا ما أحبه الله ورضيه ﷾، إذ إن جميع محابه -ﷺ- تابعة في الأصل لمحبة معبوده ﷾ (^١).
ولذا ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؛ أي: تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية والغايات الشرعية (^٢).
يقول الإمام البغوي في معنى الآية: "فلنحولنك إلى قبلة ترضاها؛ أي: تحبها وتهواها" (^٣).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: تحبها؛ وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه -ﷺ- حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه" (^٤).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى في شأن تحويل القبلة: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾: "فبيَّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه" (^٥).
الثاني: كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الأمر باستقبال الكعبة حال الصلاة، والله تعالى لا يأمر إلا بما هو محبوب لديه مرضي عنده، وعليه يكون الاستقبال عبادة لله ﵎.
_________________
(١) سيأتي تقرير هذه المسألة الهامة في قاعدة المحبة (ص ٥٥٨).
(٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٠٢)، وليس نسخ قبلة بيت المقدس بقبلة الكعبة لمجرد ميل النبي -ﷺ- ومحبته لذلك فحسب، بل إن ذلك هو عين ما يحبه الله ويرضاه لعباده، وهو مقتضى الحكمة الربانية؛ التي تؤول إلى غايات حميدة، ونتائج محبوبة للرب ﵎، ولذا بين سبحانه في الآية الأخرى بأن ذلك هو الحق الذي لا حق غيره، ولا محيد عنه، الآتي من عنده ﷾. [وانظر: التفسير الكبير (٤/ ١٢٥)].
(٣) تفسير البغوي (١/ ١٢٤).
(٤) تفسير السعدي (ص ٧١).
(٥) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٦).
[ ١ / ٣٠٠ ]
يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: "أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض؛ شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنَّه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها" (^١).
وقد جاء في السُّنَّة الأمر باستقبال القبلة حال الصلاة، ففي حديث المسيء صلاته عند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- وفيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن" (^٢).
فدل الأمر باستقبال على كونه محبوبًا مرضيًا عند الرب ﵎، وبذلك يكون داخلًا في العبادة التي يحبها الله ويرضاها.
كذلك ما جاء في النصوص من تعظيم شأن القبلة، وبيان مكانتها، وقرنها بالصلاة، بل هي شرط من شروط صحتها، فعن أنس بن مالك (^٣) قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله" (^٤).
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ١٩٤).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: من رد فقال عليك السلام .. (٥/ ٢٣٠٧)، رقم (٥٨٩٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (١/ ٢٩٨)، رقم (٣٩٧)، وانظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ١٧٢).
(٣) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الإمام أبو حمزة الأنصاري النجاري المدني، خادم رسول الله -ﷺ-، وله صحبة طويلة، وحديث كثير، وملازمة للنبي -ﷺ- منذ هاجر إلى أن مات، ثم أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعُمِّرَ دهرًا، وكان آخر الصحابة موتًا، توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. [أخرجه في: الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ١٢٦)].
(٤) تقدم تخريجه في أول القاعدة.
[ ١ / ٣٠١ ]
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "وفي الحديث تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها" (^١).
فالقبلة شعار الملة التي تتميز به الأديان، ولذا يعبر أهل العلم بقولهم أهل القبلة يعنون أهل الإسلام، وإن كان لكل ديانة من الديانات قبلة يعظمونها ويستقبلونها في عباداتهم. ثم إن الشعائر دليل الإيمان الباطن كالشهادتين (^٢).
ولذا توعد النبي -ﷺ- من لم يستقبل قبلة أهل الإسلام بأنه ليس له ذمة عند الله ولا عند رسوله، فكل هذه الأمور تبين أن استقبال القبلة عبادة لله ﵎ يثيب عليها ويعاقب على تركها.