أشار إلى معنى هذه القاعدة جمع من العلماء، وفيما يلي أذكر بعض أقوالهم الدالة على اعتمادهم للقاعدة، فمما وقفت عليه من ذلك:
قول الإمام الخطابي (^٤): "فلم يترك -ﷺ- شيئًا من أمور الدين؛ قواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه،
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٢/ ٧٣٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٨).
(٤) هو: حَمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه أحمد، ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمدينة بست، وتوفي بها سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، له تآليف عدة منها: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، وغريب الحديث وغيرها. [انظر ترجمته في: السير (١٧/ ٢٣)، وطبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٢٨٢)].
[ ١ / ١٣٣ ]
ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال" (^١).
وقريبًا منه قول الإمام السمعاني (^٢): "وكان مما أنزل إليه -ﷺ- وأمر بتبليغه: أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النَّبِيّ -ﷺ- شيئًا من أمور الدين، وقواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لو أخر فيها البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه" (^٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فصل: في أن رسول الله -ﷺ- بَيَّنَ جميع الدين؛ أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، [كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، فمستقل ومستكثر من الباطل] (^٤) (^٥).
وقال ﵀: "والرسول -صلوات اللَّه عليه وسلامه- قد أرسل
_________________
(١) ذكره الخطابي في: (الغنية)، ونقله عنه ابن تيمية في درء التعارض (٧/ ٢٩٦).
(٢) هو: منصور بن أحمد بن عبد الجبار التميمي، أبو المظفر المعروف بابن السمعاني الحنفي ثم الشافعي. من مصنفاته: القواطع في أصول الفقه، وله كتاب التفسير، توفي سننة ٤٨٨ هـ. [انظر ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٢١)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٣)].
(٣) الانتصار لأصحاب الحديث، لابن السمعاني (ص ٧٠).
(٤) ما بين المعقوفتين لعله ساقط من نسخة (مجموع الفتاوى)، وقد نقل العبارة بكاملها العلامة ابن سعدي في كتابه "طريق الوصول إلى العلوم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول" (ص ٢٩).
(٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٥٥ - ١٥٦)، وانظر: طريق الوصول للعلامة السعدي (ص ٢٩).
[ ١ / ١٣٤ ]
بالبينات والهدى، بَيَّنَ الأحكام الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها، بَيَّنَ المسائل والوسائل، بَيَّنَ الدين ما يقال وما يعمل، وبيَّن أصوله التي يعلم أنه دين حق" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم في وصفه -ﷺ-: "ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد، المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بيَّنه وشرحه، حتَّى هدى اللَّه به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه -ﷺ-، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء" (^٢).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعانٍ جلية، حتَّى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة، وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس" (^٣).