فيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في ذكرهم لهذه القاعدة أو استدلالهم بها أو لها:
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل هذا الباب: أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة اللّه فيها بالصلاة، والدعاء، والذكر، والقراءة، ونحو ذلك، إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج" (^٤).
وقال -﵀-: "وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه، ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر
_________________
(١) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥١) فما بعدها.
(٢) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي، النووي، الفقيه الحافظ الشافعي. له مؤلفات كثيرة منها: المجموع شرح المهذب لم يتمه، وروضة الطالبين، ورياض الصالحين، وغيرها. توفي -﵀- سنة ٦٧٦ هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٥٣)].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٣٧ - ١٣٨).
[ ١ / ١٩٧ ]
المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره" (^١).
وقال -﵀- أيضًا: "ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن يكون مسجدًا فقط؛ ولهذا مشاعر الحج غير المسجد الحرام تقصد للنسك لا للصلاة، فلا صلاة بعرفة، وإنما صلى النبي -ﷺ- الظهر والعصر يوم عرفة بعرنة، خطب بها ثم صلى، ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها، وكذلك يذكر الله، ويدعى بعرفات، وبمزدلفة على قزح (^٢)، وبالصفا والمروة، وبين الجمرات، وعند الرمي، ولا تقصد هذه البقاع للصلاة، وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا للذكر ولا للدعاء، بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة، إلا حيث نهي، ويذكر الله ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك، وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهي عن ذلك كما نهي عن الصلاة في المقبرة، إلا ما يفعله الرجل عند السلام على الميت من الدعاء له وللمسلمين، كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة، فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته، يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا، ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا" (^٣).
ويقول الشيخ الدهلوي: "ومعنى ذلك أن الله - ﷾ - قد خصص أمكنة لتعظيمه؛ كالكعبة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقًا لزيارتها، والحنان إليها، فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالًا
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٣٩).
(٢) هو جبل بآخر مزدلفة. المصباح المنير (١/ ٣١٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨).
[ ١ / ١٩٨ ]
وركبانًا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر وعناء التنقل، فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت" (^١).