الناظر في كلام أهل العلم - ﵏ - يجد تأييدهم لهذه القاعدة العظيمة التي ينبني عليها كثير من المسائل المتعلقة بالتوحيد والدعوة إليه، -كما سيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله-، وما ذاك إلا لكون فهمها واعتقاد ما دلت عليه هو المقياس الصحيح لفهم التوحيد الذي جاء به الأنبياء قاطبة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول لأهل العلم المؤيدة والمقررة لهذه القاعدة:
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الأنبياء والأمم فيه" (^٢).
وقال -﵀- أيضًا: "والأصل الثاني: وهو توحيد الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد؛ كالدعاء، والرجاء، والخوف، والخشية، والاستعانة، والاستعاذة، والمحبة، والإنابة، والنذر، والذبح، والرغبة، والخشوع، والتذلل، والتعظيم" (^٣).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فاعلم أن الاختلاف بين الرسل وأممهم إنما هو معنى (لا إله إلا الله) بالمطابقة؛ فإن جلمة (لا إله): تنفي الشرك والإلهية عن كل ما سوى الله، وجملة
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٦٦ - ٦٧)، وانظر: مسائل كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٩).
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٦٧ - ٦٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
(إلا الله): تثبت الإلهية بجميع أنواعها الباطنة والظاهرة لله وحده، وبيان هذا في القرآن في آي كثير" (^١).
ويقول الشيخ السعدي: "وزبدة دعوة الرسل كلهم، ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢] أي: على معرفة الله تعالى، وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها" (^٢).
ويقول -العلامة المفسّر- محمد الأمين الشنقيطي: "وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم" (^٣).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "وإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده" (^٤).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله ﵎، فضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله -﷿-، وهذا هو الغالب على عامة المشركين، وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها" (^٥).
ويظهر مما سبق من أقوال أهل العلم أن توحيد الألوهية والعبادة هو محور الخلاف، وأصل النزاع بين الأنبياء وأقوامهم، ومن أجله
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، وانظر: مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف (ص ٢٩٨).
(٢) تفسير السعدي (٤٣٥).
(٣) أضواء البيان (٣/ ١٨).
(٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ١٧٣)، وانظر: (٤/ ٤٠٢).
(٥) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٤٥٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
قامت المعارك الكلامية، والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم (^١).