دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة عديدة في كتاب اللَّه تعالى وفي سُنّة النَّبِيّ -ﷺ-، وإجماع الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي منها:
أولًا: عموم النصوص الدالة على إكمال اللَّه تعالى لهذا الدين، وأنه لم ينقص منه شيئًا، كما في قوله -﷾-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ولا شكَّ أن كمال الدين يستلزم اكتمال معانيه، وبيانها، وعدم خفائها وغموضها، لا سيما أصول الدين وقواعده العظام.
يقول الإمام ابن حزم: "فأيقنا -وللّه الحمد- بأن الدين الذي كَلَّفَنا به ربنا، ولم يجعل لنا مخلصًا من النار إلا باتباعه، مبين كله في القرآن الكريم، وسُنّة رسوله -ﷺ-، وإجماع الأمة، وأن الدين قد كمل فلا مزيد فيه ولا نقص، وأيقنا أن كل ذلك محفوظ مضبوط " (^٢).
ويقول -﵀-: "وقد شهد اللَّه تعالى بأن النص لم يفرط فيه شيئًا، وأن رسوله ﵊ قد بيَّن للناس كل ما نزل إليهم، وأن الدين قد كمل، فصح أن النص قد استوفى جميع الدين" (^٣).
ويقول الإمام ابن تيمية في بيان قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: "وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره" (^٤).
ويقول الإمام ابن كثير: "هذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٥).
(٢) النبذة الكافية لابن حزم (ص ١٦).
(٣) المحلى (١/ ٥٦).
(٤) الصفدية (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ١٢٥ ]
حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجودن إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم -صلوات اللَّه وسلامه عليه- ولهذا جعله اللَّه تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن " (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "إن اللَّه سبحانه قد تمم الدين بنبيه وأكمله به، ولم يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه، ولا رأي ولا منام ولا كشوف، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] " (^٢).
ويبيِّن العلامة ابن سعدي - ﵀ - معنى إكمال الدين بأنه يكون: "بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كالن الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين" (^٣).
ثانيًا: الأدلة الدالة على أن الرسول -ﷺ- قد ألزمه ربه بتبليغ الرسالة، وتبيينها للناس، فهو -ﷺ- الموكل من قبل ربه بتلك المهمة وهي مهمة بيان هذا الدين، ولا شك أنه -ﷺ- قد قام بهذه المهمة على أتم وجه وأحسن حال، ومن تلك النصوص ما يلي:
قوله -﷾-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
تضمنت الآية الكريمة الدلالة على وظيفة النَّبِيّ -ﷺ- مع القرآن الكريم، ألا وهي إيضاحه وتفصيله وتفسيره وتكميله بكمال بيانه له، وتوضيحه للناس.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٣).
(٢) الصواعق المرسلة (٣/ ٨٢٦)، وانظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٣٢).
(٣) تفسير السعدي (ص ٢٢٠).
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد قام -ﷺ- بهذه المهمة خير قيام، وأداها كما يحب ربه ويرضى؛ إذ هو -ﷺ- أفضل من أطاع ربه واتبع أمره.
يقول الإمام ابن تيمية: "يجب أن يُعْلَم أن النَّبِيّ -ﷺ- بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا" (^١).
ويقول الشيخ السعدي في بيان هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه" (^٢).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].
أي: التبليغ البيِّن الواضح الذي لا شكَّ فيه والظاهر الذي لا لبس فيه، والذي يصل إلى القلوب فلا تبقى بعده حجة، ولا يثبت لصاحبه عذر.
يقول الإمام الطبري: "ويعني بقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾: الذي يبين عن معناه لمن أبلغه ويفهمه من أرسل إليه" (^٣).
وقال الإمام ابن كثير: "فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين الواضح الجلي الذي لا لبس فيه ولا شكَّ ولا امتراء وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين فما جاءت به الرسل هو الحق ومن خالفهم فهو على الضلال" (^٤).
ويقول الشيخ السعدي: "أي: تبليغكم البين الذي لا يُبْقي لأحد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٣١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٤٤١).
(٣) تفسير الطبري (١٤/ ١٠٣).
(٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٠).
[ ١ / ١٢٧ ]
شكًا ولا شبهة، وقد فعل -ﷺ-" (^١).
فليست وظيفة الأنبياء إلا البلاغ للرسالة، الموضح لطريق الحق، والمظهر لأحكام الوحي (^٢).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فهذا أمر من اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ- بتبليغ جميع ما أنزله إليه من الوحي، فلا يترك شيئًا، وإن ترك من الوحي شيئًا فكأنه ما بلغ شيئًا من الرسالة، ولكنه -ﷺ- امتثل الأمر وقام به خير قيام، فلم يترك من الدين شيئًا صغيرًا كان أم كبيرًا إلا وبيَّنه وفصله ولم يترك لأحد بعده مقالًا.
فالمقصود أنه -ﷺ- قد أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال؛ لأنَّه كان قد بلغ، وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد (^٣).
يقول الشيخ السعدي ﵀: "هذا أمر من اللَّه لرسوله محمد -ﷺ- بأعظم الأوامر وأجلها وهو التبليغ لما أنزل اللَّه إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه -ﷺ-؛ من العقائد، والأعمال، والأقوال، والأحكام الشرعية، والمطالب الإلهية، فبلغ -ﷺ- أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتَّى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله، فلم يبق خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرٌّ إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين" (^٤).
ثالثًا: النصوص المبينة أن اللَّه تعالى تكفل بحفظ هذا الدين وببيانه
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٥٧٣)، وانظر: (ص ٤٤٠).
(٢) مسائل الجاهلية (ص ٥٨).
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١٨٣).
(٤) تفسير السعدي (ص ٢٣٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
كذلك، ولا شكَّ أن الحفظ يقتضي حفظه في ألفاظه ومعانيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
وعن ابن عباس -﵄- في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]: (أن نبينه على لسانك) (^١).
ويقول الحافظ ابن كثير في معنى الآيات: "وكان هذا في الابتداء، كان عليه وسلم من شدة حرصه على أخذه من المَلَك ما يوحى إليه عن اللَّه ﷿ ليساوقه في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى أن ينصت لذلك حتَّى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته، وتبليغه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، ويوقفه على المراد منه" (^٢).
ويقول ﵀ أيضًا: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]؛ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا" (^٣).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾؛ أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه" (^٤).
رابعًا: ومما يدل على كمال بيان الدين، واستغنائه عن الآراء والعقول المنحرفة ما وصف اللَّه تعالى به آيات كتابه بأنها آيات بينات، أو مبينات، أو بينة، ووصف الوحي بأنه مبين، ووصفه -ﷺ- بأنه رسول مبين وغير ذلك:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٨٧٦)، برقم (٤٦٤٤)، وصحيح مسلم (١/ ٣٣٠)، برقم (٤٤٨).
(٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٥٠).
(٤) تفسير السعدي (ص ٨٩٩).
[ ١ / ١٢٩ ]
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ [النور: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور: ٤٦]، وقوله -﷿- ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤] وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١١]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧]، وقوله تعالى في وصف رسوله محمد -ﷺ-: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ [الدخان: ١٣] (^١).
يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: "أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات؛ أي: واضحات الدلالة على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب؛ لأنَّها تنزيل مَنْ كَمُلَ علمه، وكَمُلَت رحمته، وَكَمُلَ بيانه، فليس بعد بيانه بيان، ليهلك بعد ذلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة" (^٢).
ويقول -﵀- أيضًا في نفس الآية: "أي: واضحات الدلالة على كل
_________________
(١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٦٨).
(٢) تفسير الطبري (ص ٥٧١).
[ ١ / ١٣٠ ]
أمر تحتاجون إليه؛ من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة" (^١).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "فالمعنى آيات مبينات؛ أي: بينات واضحات" (^٢).
وما يدل على صحة القاعدة أيضًا:
ما جاء عن أبي ذر (^٣) -﵁-: قال: (تركنا رسول اللَّه -ﷺ- وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم). قال أبو حاتم (^٤): "معنى عندنا منه: يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته -ﷺ-" (^٥).
والمقصود: أنه استوفى بيان الشريعة، وما يحتاج إليه من الدين، حتَّى لم يبق مشكل، فضرب ذلك مثلًا، وقيل: أراد أنه لم يترك شيئًا إلا بيَّنه حتَّى بيَّن لهم أحكام الطير، وما يحل منه وما يحرم، وكيف يذبح، وما الذي يفدي منه المحرم إذا أصابه، وأشباه ذلك (^٦).
وجاء عن جابر بن عبد اللَّه (^٧) -﵁- في حجة النَّبِيّ -ﷺ- وفيه:
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٥٦٨)، وانظر: تفسير السمعاني (٣/ ٥٢٩).
(٢) أضواء البيان (٥/ ٥٣٧).
(٣) هو: جندب بن جنادة بن سكن الغفاري، من السابقين إلى الإسلام، لم يشهد بدرًا لكن عمر ألحقه بهم، مات في الربذة سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود -﵄-، الإصابة (٧/ ١٠٥).
(٤) هو: الإمام العلامة الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي الدارمي البستي، كان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، من مؤلفاته كتابه "الصحيح"، توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢).
(٥) رواه ابن حبان في صحيحه (١/ ٢٦٧) برقم (٦٥)، والمعجم الكبير (٢/ ١٥٥)، برقم (١٦٤٧)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٤١٦)، برقم (١٨٠٣).
(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٥٠)، ولسان العرب (٤/ ٥٠٩).
(٧) هو: أبو عبد اللَّه جابر بن عبد اللَّه بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي الصحابي =
[ ١ / ١٣١ ]
( "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه وأنتم تسألون عني فما أنضم قائلون"، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت) (^١).
ولا شكَّ أن تبليغه -ﷺ- كما سبق تقريره شامل للألفاظ والمعاني.
ما جاء عن عائشة (^٢) -﵂- أنها قالت لمسروق (^٣): (من حدثك أن محمدًا -ﷺ- كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، واللّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية" (^٤).
وقد دل قول عائشة -﵂- على نفي الكتمان عن النَّبِيّ -ﷺ- ومن المعلوم أن عدم بيان معاني ألفاظ الوحي من أعظم الكتمان.
يقول الإمام ابن القيم: "وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه قد بلغ، فأشهد اللَّه عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله، فقال في خطبته بعرفات في حجة الوداع: "إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون"، قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء
_________________
(١) = الجليل، أحد المكثرين عن النَّبِيّ -ﷺ-، توفي -﵁- سنة (٧٨ هـ). [انظر ترجمته في: الاستيعاب (١/ ٢١٩ - ٢٢٠)، والإصابة (١/ ٢١٤)].
(٢) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ٨٩٠)، برقم (١٢١٨).
(٣) هي: أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد اللَّه بن عثمان بن عامر القرشية التيمية، أم عبد اللَّه، وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر، ولدت بعد البعثة سنين وقيل خمس، وكانت من أفقه الصحابة وأكثرهم رواية للحديث، روى عنها جمع من الصحابة والتابعين، توفيت بالمدينة سنة ٥٨ هـ، وقيل: ٥٧ هـ. [انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ٥٨)، والإصابة (٨/ ١٣٩)].
(٤) هو: مسروق بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، الإمام القدوة العلم الفقيه، حدث عن جملة من الصحابة -﵃- قال ابن معين: (مسروق ثقة لا يُسأل عن مثله)، مات سنة اثنتين وستين. [انظر ترجمته في: السير (٤/ ٦٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩)].
(٥) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ (٤/ ١٦٨٦)، برقم (٤٣٣٦)، ومسلم في صحيحه، باب: معنى قول اللَّه -﷿-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (١/ ١٥٩)، برقم (١٧٧).
[ ١ / ١٣٢ ]
مستشهدًا بربه الذي فوق سمواته، وقال: "اللَّهُمَّ اشهد".
فلو لم يكن قد عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به، وحصل لهم منه العلم واليقين، لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين، ولما رفع اللَّه عنه اللوم، ولما شهد له أعقل الأمة بأنه قد بلغ وبيَّن" (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره اللَّه وبيَّن ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر اللَّه بأنه قد أكمل الدين، وإنما كَمُلَ بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه اللَّه لعباده" (^٢).
وقال الإمام ابن كثير: "وقد شهدت له أمته بإبلاع الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا" (^٣).