من أدلة القاعدة ما يأتي:
١ - من المعلوم أن النصوص الشرعية قد دلت على أنه لا اعتبار للأعمال والعبادات في ميزان الشرع بدون توحيده ﷾، وأن من عبد الله وكان متلبسًا بالشرك فإن عبادته هباء منثور، ذاهبة أدراج الرياح، وهدر لا خير فيها، وما دام الأمر كذلك فهي خارجة عن كونها عبادة لله تعالى لفقدها لأعظم أركانها، وأكبر شروطها ألا وهو توحيد الله تعالى وإفراده
_________________
(١) انظر: تفسير النسفي (٤/ ٩١).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٥١).
[ ١ / ٣٢٠ ]
سبحانه بها، فهي صورة بلا مضمون، ومظهر لا حقيقة له.
يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
قال أهل العلم في معنى ذلك: أي: بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها (^١).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان استحالة عمارة المشركين للمساجد: "فبيَّن الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبيَّن إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (^٢).
أما أهل الشرك والتنديد فلا إخلاص لهم ولا توحيد، فلا يعتبرون من عمارها أبدًا وإن أقاموا فيها الليل والنهار.
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ ﵀: "لا تصح الأعمال إلا به -يقصد التوحيد-، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط؛ إذ لا تصح العبادة مع الشرك" (^٣).
وإذا لم تكن العبادة صحيحة -لفقدها لأعظم أركانها- خرجت عن حقيقتها الشرعية، فلا تسمى عبادة شرعًا.
_________________
(١) تفسير الجلالين (ص ٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٩).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٩٦).
[ ١ / ٣٢١ ]
٢ - أن الله تعالى نفى عن المشركين العبادة، ونفى أن يكونوا من العابدين لله ﷾، فقال ﷿: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] مع عبادتم لله تعالى، وربما أخلصوا الدعاء في أوقات الشدة، ولكن لما كانت تلك العبادة مشوبة بالشرك بالله العظيم، وكانت فاقدة لأعظم أركانها -وهو توحيده سبحانه- نفيت عنهم العبادة، ونفي وصفهم بأنهم من العابدين لله تعالى.
يقول الإمام ابن تيمية في بيان معنى الآية: "قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ نفى عنهم عبادة معبوده، فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده، وكذلك هو إذا عبده مخلصًا له الدين لم يكن عابدًا معبودهم" (^١).
ويقول الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ في بيان الفروق بين الطاعة والعبادة: "ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة، كما قال الله سبحانه في حق المشركين: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحج والعمرة، وبالصدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك، ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها" (^٢).
٣ - يبيّن ذلك وصفه سبحانه لـ "عبادة المشركين" بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره مع تلبسهم بعبادته ﷿، وتقربهم بشركهم وشركائهم إليه سبحانه رجاء القربة والشفاعة، ولكن لما كانت عبادتهم لله مختلطة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٦٠٠).
(٢) فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (٥/ ١٨).
[ ١ / ٣٢٢ ]
بالشرك به سبحانه وصفها الله بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره، ومن تلك الأدلة ما يأتي: يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]، ولذلك استنكر عليهم النبي -ﷺ- طلبهم منه أن يعبد آلهتهم، كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]، مع أنهم لم يطلبوا منه أن يترك عبادة الله ﷾، ولكن لما كانت عبادته -﷿- المطلقة لا تتحقق إلا بترك الشرك مطلقًا، كان من عَبَدَ الله بهذه الحالة الشركية عابدًا لغيره.
٤ - ومما يزيد الأمر بيانًا ووضوحًا أيضًا أن الله تعالى أمر المشركين بعبادته سبحانه وحده دون من سواه، وأرسل جميع رسله بدعوتهم إلى عبادته هافراده بالتوحيد، بل عاب وتوعَّد من ترك عبادته وعَبَدَ غيره، كل ذلك مع أن المشركين كانوا يعبدون الله تعالى، بل ربما أخلصوا له العبادة وقت الشدة، فلو كان ما قاموا به عبادة شرعية لما أمرهم الله بها، وتوعدهم على تركها، ولما أرسل رسله بالأمر بها والجهاد في سبيلها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله -﷿-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
[ ١ / ٣٢٣ ]
قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣]، والآيات في هذا الباب يصعب حصرها إلا بجهد الأنفس.
٥ - ومما يدل على معنى القاعدة قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]، فهنا قالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك)، ثم قالوا: (إلهًا واحدًا) فهذا بدل من الأول في أظهر الوجهين؛ فإن النكرة تبدل من المعرفة، فقالوا: (نعبد إلهك)، فعرفوه ثم قا لوا: (إلهًا واحدًا) فوصفوه، والبدل في الحكم تكرير العامل أحيانًا، فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، فجمعوا بين الخبرين بأمرين؛ بأنهم يعبدون إلهه، وأنهم إنما يعبدون إلهًا واحدًا، فمن عَبَدَ إلهين لم يكن عابدًا لإلهه وإله آبائه، وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا، ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين؛ عبادة إشراك، وعبادة إخلاص (^١).
٦ - أن العبادة من الألفاظ الشرعية التي جاء الشرع بتخصيصها عن مدلولها اللغوي إلى حقيقتها الشرعية، مشتملة على أركان وشروط شرعية، ومن المقرر أن الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا (^٢)، ولا شك أن التوحيد وإفراد الله بالعبادة هو ركنها الأعظم، وأساسها الذي لا قوام لها بدونه.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٤).
(٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٥٢٦).
[ ١ / ٣٢٤ ]