لا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى كثرة، فهي من أوضح المعاني التي كثر ذكرها وتقريرها في القرآن العظيم، كما أن سيرته -ﷺ- خير شاهد على ما دلت عليه، وفيما يأتي أذكر بعض هذه الأدلة الدالة على حقيقة الخصومة بين الأنبياء وأممهم الذين بعثوا إليهم:
أولًا: الأدلة العامة الدالة على أن أصل دعوة جميع الأنبياء والمرسلين إنما كان قائمًا على دعوة المشركين إلى عبادة الله تعالى، وإخلاص التوجه له وحده، والتحذير من الإشراك في العبادة بأحد من الخلق مهما كانت مكانته، ومهما علت منزلته، ومن تلك النصوص:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٢/ ٥١).
[ ١ / ٢٢٢ ]
فأبان الله سبحانه في هذه الآيات الكريمة أنه بعث في كل أمة من الناس رسولًا، وأنه ما أرسل رسولًا إلى قومه إلا وجاءهم يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا عبادة الطاغوت، والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الرسل وأممهم في ذلك؛ لأن المشركين يعبدون الله سبحانه، ويعبدون معه غيره، فبعث الله الرسل -﵇- تأمرهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه (^١).
يقول الشيخ المراغي (^٢) في معنى الآية: "أي: وما أرسلنا رسولًا إلى أمة من الأمم إلا أوحينا إليه أنه لا معبود في السموات والأرض إلا أنا؛ فأخلصوا لي العبادة وأفردوا لي الألوهة" (^٣).
ثانيًا: الأدلة الخاصة على أن دعوة كل نبي لقومه إنما كانت بأمرهم بعبادة الله وحده، وعدم عبادة غيره معه، وأن الخصومة، والصراع، والجدال الذي حصل بين الأنبياء وأقوامهم إنما كان أصله وأساسه راجع إلى إفراد الله بالعبادة، وأن ما يعبدونه من الآلهة والأنداد من دون الله تعالى كلها باطلة لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - ما حكاه الله تعالى في شأن دعوة نوح -﵇- لقومه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ٣).
(٢) هو: أحمد بن مصطفى المراغي: مفسر مصري، ولد سنة ١٣٠٠ هـ، تخرج بدار العلوم سنة ١٩٠٩ هـ، ثم كان مدرس الشريعة الإسلامية بها، وولي نظارة بعض المدارس، وعين أستاذًا للعربية والشريعة الإسلامية بكلية غوردون -حاليًا جامعة الخرطوم- بالسودان، وتوفي بالقا هرة، له كتب، منها: الحسبة في الإسلام، والوجيز في أصول الفقه، وتفسير المراغي، وعلوم البلاغة، توفي سنة ١٣٧١ هـ. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (١/ ٢٥٨)، والإعلام بتصحيح كتاب الأعلام (ص ٤٠)].
(٣) تفسير المراغي (١٧/ ٢١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩].
فدلت هذه الآيات على أن الصراع بين نوح -﵇- وقومه المشركين كان أساسه في إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه جلَّ وعلا بالتأله الخالص، وبطلان عبادة آلهتهم، وبيان حقارتها، وما فتئ الأنبياء -﵈- والصادقون من عباد الله من أتباعهم -من عهد نوح -﵇- وإلى يومنا هذا- ينهون عن تعظيم أحد من الخلق تعظيمًا خاصًا بالرب ﵎، وأن تُصْرف إليه أعمال يقصد منها غاية التعظيم، والذل، والتواضع؛ لأنَّها مختصة بالله تعالى، وهكذا ظلت الحرب الضارية قائمةً بين الفريقين على قدم وساق، لم تضع أوزارها إلى اليوم، وحتى يأتي أمر الله (^١).
ولذا فقد حكى الله تعالى عن جملة من الأنبياء أنهم بدؤوا قومهم بقولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، بل جميع الرسل كانت دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له (^٢).
يقول الشيخ السعدي - ﵀ - في معنى الآية: "فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم؛ الأمر بعبادة الله، والإخبار بأنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده" (^٣).
٢ - قوله سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ
_________________
(١) انظر: رسالة التوحيد للدهلوي (ص ٩٥).
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ٥٧)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٩)، و(٢/ ٢٣٢)، وتفسير السعدي (ص ٢٩٤)، و(ص ٥٥٠).
(٣) تفسير السعدي (ص ٥٥١)، وانظر: (ص ٣٨٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) إلى قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧]، فأوضح الله تعالى في هذه الآيات أصل الخصومة والجدال الذي دار بين إبراهيم وقومه، وأنه انحصر في تخصيص الله بالعبادة، وإبطال إلهية ما سواه، وأنها من أبطل الباطل المزعوم، وأعظم الإفك المفترى.
ولذا قال سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٦، ١٧].
وبذلك تظهر حقيقة الصراع المحتدم، والجدال العنيف، والتصادم الضاري، والخصام الشديد الذي دار بين خليل الرحمن إبراهيم -﵇- وبين قومه المشركين، وأن أصل ذلك النزاع في إفراد الله تعالى، وتخصيصه بالعبادة، وأن آلهتهم ما هي إلا مجرد إفك مفترى، وباطل مزعوم.
٣ - قوله تعالى في قصة هود -﵇- مع قومه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقوله سبحانه عنهم: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ [هود: ٥٣].
أي: أجئتنا لنعبد الله وحده، ونخالف آباءنا وأسلافنا، وما كانوا عليه، فإن كنت صادقًا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب،
[ ١ / ٢٢٥ ]
والنكال، فإنا لا نؤمن بك، ولا نتبعك، ولا نصدقك (^١).
فهم إنما أنكروا اختصاصه -﷾- بالعبادة، والإعراض عن عبادة الأوثان؛ انهماكًا منهم في التقليد، وحبًّا لما ألفوه، وألفوا أسلافهم عليه (^٢).
٤ - وقال سبحانه عن قوم صالح -﵇-: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ [هود: ٦٢].
أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، أفتنهانا أن نعبد الآلهة التي كانت آباؤنا تعبد، مع عدم علمنا بصحة ما تدعونا إليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص الألوهية له (^٣).
فجعلوا نهي نبي الله صالح -﵇- لهم عن عبادة الآلهة قدحًا في عقولهم، وعقول آبائهم الضالين، كيف ينهاهم عن عبادة من لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئًا؛ من الأحجار، والأشجار، ونحوها، ويأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم، وقد قالوا له ذلك على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه (^٤).
٥ - وقال تعالى عن قوم شعيب - ﵇ -: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧].
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: تفسير أبي السعود (٣/ ٢٣٩).
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ٦٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٣٣).
(٤) انظر: تفسير السعدي (٣٨٥)، وروح المعاني (١٢/ ٨٩).
[ ١ / ٢٢٦ ]
يقولون هذا على سبيل الاستهزاء، والتنقص، والتهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجاباتهم له، فمعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، فإن كنت كذلك؛ أفيوجب ذلك علينا أن نترك ما يعبد آباؤنا لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون، أولي العقول والألباب (^١).
٦ - وقال سبحانه عن كفار العرب من قريش: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ١ - ٧].
أي: أزعم هذا الرسول محمد -ﷺ- أن المعبود واحد [لا إله إلا هو)، أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنَّهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول -ﷺ- إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك، كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء، والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده، إن هذا الذي جاء به لشيء يقضي منه العجب؛ لبطلانه، وفساده عندهم. وأصبح سادتهم، وقادتهم، ورؤساؤهم، وكبراؤهم يوصون أتباعهم بالصبر على عبادة الآلهة، وعدم الالتفات إلى ما يدعوهم إليه محمد -ﷺ- من التوحيد والإخلاص (^٢).
وقال ﵎ عنهم كذلك: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وتفسير السعدي (٣٨٧).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨)، وتفسير السعدي (ص ٧١٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]
أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤].
والمعنى: أي ليصرفنا ويثنينا عن عبادتها صرفًا كليًا، بحيث يبعدنا عنها، لا عن عبادتها فقط بأن يجعل الآلهة إلهًا واحدًا، ولولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها، لأضلنا، فزعموا -قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من الشرك؛ فلهذا تواصوا بالصبر، والاستمرار، والتجلد عليه (^١).
فهذه النصوص وما جاء في معناها لتدل أوضح دلالة على أن معترك الخصومة، ومضمون النزال والجدال بين الأنبياء وأقوامهم: إنما كان حول توحيد العبادة والدعوة إلى إخلاص الدين لله.
ثالثًا: ما حكاه الله تعالى عن المشركين من النفور، والصد، والاشمئزاز، والاستكبار، وتسفيه الرسول -ﷺ-، والطعن في القرآن الكريم، كل ذلك بسبب قول الرسول -﵇- لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، إضافة لما في نفوسهم من الإصرار على عبادة الآلهة، والأنداد، ورفضهم إخلاص الدين والعبادة لله سبحانه وحده دون ما سواه، وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن أصل النزاع كان في توحيد العبادة، وإفراد الله سبحانه بالتأله، وإبطال جميع ما يعبد من دونه سبحانه، ومن تلك النصوص ما يلي:
قوله سبحانه عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥،
_________________
(١) انظر: تفسير أبي السعود (٦/ ٢٢٠)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٠)، وتفسير السعدي (ص ٥٨٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
٣٦]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦] (^١).
أي: يستكبرون عن كلمة التوحيد أن يقولوها كما يقولها المؤمنون، ويمتنعون منها، وقيل: يستكبرون عن المتابعة، والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر، فهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا، ولم يقولوا، بل قالوا مكانها: أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (^٢).
وبقية الآيات أيضًا أشارت إلى هذه الصفة القبيحة، والعادة الذميمة، والطبع المشين للمشركين، والذي يدل على جهلهم، وحماقتهم، وضلالهم، واستكبارهم، وتجبرهم على الحق، وهو أنك إذا ذكرت الله وحده، وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ودعوت الله وحده دون ما سواه، ظهرت آثار النفرة على وجوههم، وامتلأت قلوبهم غيظًا واشمئزازًا، وإذا ذكرت الأصنام، والأوثان ظهرت آثار الفرح، وتباشير السرور على وجوههم، وانبسطت قلوبهم وانشرحت صدورهم، وذلك يدل على غاية الجهل ومنتهى الحماقة؛ لأن ذكر الله وتوحيده رأس السعادات، وعنوان الخيرات، وأما ذكر الأصنام، وتأليهها مع الله فهو رأس الجهالات والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله وحده، واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ٢٥٥)، وانظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٦/ ٢٤٤).
(٢) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٠٦)، وتفسير السمعاني (٤/ ٣٩٧)، وتفسير البغوي (٤/ ٢٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٦)، و(٤/ ٥٧).
[ ١ / ٢٢٩ ]
على الجهل الغليظ والحمق الشديد (^١).