لا شك أن بيان غاية الشيء، ومعرفة الحكمة منه فيما يتعلق بخلق الله وأمره مما له بالغ الأثر، وعظيم الفائدة العائدة على النفس
_________________
(١) شرح المقاصد في علم الكلام (١/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٢) المحصول (١/ ٤٥٠)، وانظر: شرح التوضيح على التوضيح، لعبيد الله الحنفي (١/ ١٨٠).
[ ١ / ١٥٣ ]
البشرية بالطمأنينة والسكون والثقة بربها ﵎، ولا سيما فيما يتعلق بالغاية الحميدة، والحكمة الجليلة في إيجاد المخلوقات؛ إذ في هذه الغاية التي لا أعظم منها تجلى حكمة الله تعالى الباهرة، ورحمته الشاملة؛ إذ خلق الخلق لعبادته التي هي أعظم ما يحتاجه البشر، وبذلك تظهر قيمة الإنسان في هذا الكون، التي اتسمت بعظيم الشرف ومنتهى العزة والرقي، إذ هو لم يخلق للعبث ولا للعب، ولا لغاية دنيئة، ولا حكمة حقيرة، وإنما خلق لغاية عظيمة هي منتهى عزه وغاية سعادته.
والقاعدة دلت على أن عبادة الله ﵎، وإفراده بالتوحيد، وترك عبادة ما سواه، والقيام بفعل أوامره وترك مناهيه، هو الغاية والحكمة التي خلق لها الإنس والجن، ففعل بهم الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعله هو فيجعلهم عابدين له، وإنما خلقهم مهيئين مستعدين لها في أصل الخلقة، فمن وقعت منه العبادة فقد أرادها الله منه شرعًا وكونًا، ومن لم تقع منه فقد أرادها منه شرعًا ولم يردها سبحانه كونًا وقدرًا (^١).
فالله تعالى لم يخلقهم للعباده خلق جبلة وإجبار، وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بأعمال أهل الشقاء (^٢).
يقول الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه لم يقل أنه فعل الأول ليفعل هو الثاني، ولا ليفعل بهم الثاني، فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين، فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا محالة، ويمتنع أن يفعل أمرًا ليفعل أمرًا ثانيًا ولا يفعل الأمر الثاني، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونون هم
_________________
(١) انظر: حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على كتاب التوحيد (ص ١٣)، بتصرف.
(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢١)، والكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
الفاعلين" (^١).
والمقصود بكون العبادة غاية للرب ﵎؛ أي: أن الله تعالى أرادها وقصدها وهذا يستلزم علمه بها، إذ لا توجد الإرادة بدون العلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "وتلك الغاية لا بد أن تكون معلومة للخالق، فإن العلة الغائية هي أول في العلم والإرادة، وهي آخر في الوجود والحصول، ولهذا كان الخالق لا بد أن يعلم ما خلق؛ فإنَّه قد أراده وأراد الغاية التي خلقه لها، والإرادة مستلزمة للعلم، فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به.
والصانع إذا أراد أن يصنع شيئًا فقد علمه وأراده، وقدر في نفسه ما يصنعه، والغاية التي ينتهي إليها، وما الذي يوصله إلى تلك الغاية.
والله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو (^٢)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" (^٣).
وفي البخاري عن عمران بن حصين (^٤)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٦).
(٢) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم ابن كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد، من نجباء الصحابة وعلمائهم، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وقيل: بإحدى عشرة سنة، وكان واسع العلم، مجتهدًا في العبادة، توفي بالشام سنة ٦٥ هـ على اختلاف في ذلك. [انظر ترجمته في: الإصابة (٤/ ١٩٢ - ١٩٣)، وتاريخ الإسلام (٥/ ١٦٢ - ١٦٣)، والسير (٣/ ٨٠)].
(٣) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣)، ولفظ مسلم: "كتب الله مقادير الخلائق".
(٤) هو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، أبو نجيد الخزاعي، صحابي كأبيه، وله غزوات مع النبي -صلي الله عليه وسلم-، وكان يكون ببلاد قومه ويتردد إلى المدينة، ولي قضاء البصرة، =
[ ١ / ١٥٥ ]
"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض" (^١) " (^٢).
وكون العبادة غاية لله من جهة أمره -سبحانه وتعالي- بها؛ لأنَّه لا يأمر إلا بما يحب ويرضى فكل ما أمر الله تعالى به فهو من محبوباته ومرضياته، فالله يحب العبادة ويرضى عن من فعلها، فهي من هذه الجهة تعتبر غاية محبوبة لله ﵎، وإلا فنفعها وفائدتها حاصلة للعبد، والله غني عن عبادة الخلق، لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم؛ ولذا قال سبحانه بعد أن بيَّن هذه الغاية: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨].
يقول الشيخ السعدي: "وهذان الأمران؛ وهما معرفة الله وعبادته: هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهي الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح وسعادة دنيوية وأخروية، وهما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير، وحضر كل شر، فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفه نوال" (^٣).
_________________
(١) = وبعثه إليهم عمر ليفقههم، وكان الحسن البصري يحلف ما قدمها عليهم خير منه، ومات بها في ولاية عمر سنة اثنتين وخمسين، ومناقبه شهيرة وهو ممن اعتزل الفتنة وذمها. [انظر ترجمته في: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٣١٥)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٨)].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٣/ ١١٦٦) برقم (٣٠١٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٦).
(٤) تفسير السعدي (ص ٧٤١).
[ ١ / ١٥٦ ]