لا يخفى على المتأمل في نصوص الشرع أن البركة الواردة فيها على قسمين:
الأول: بركة متعلقة بالله ﵎، وهي على نوعين أيضًا:
أ - بركة هي صفته -﷾- الذاتية، تضاف إليه إضافة الصفة للموصوف؛ كإضافة الرحمة والعزة، ويأتي الفعل منها على صيغة الماضي وهو (تبارك).
ب - بركة هي فعله ﵎، والفعل منها (بارك)، والمفعول منها (مُبَارَك).
الثاني: بركة متعلقة بالمخلوق؛ أيْ: يتصف بها المخلوق، وهي فعل الله ﵎ بالمخلوق فيجعله (مُبَارَكًا)، كما أنها من آثار اتصافه -﷾- بكونه (تبارك)؛ أيْ: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
_________________
(١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٤٤)، وتفسير الرازي (٨/ ١٣٠)، و(١٤/ ١١٩).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).
[ ١ / ٢٤٠ ]
ولا فعل للمخلوق في إحداث وإيجاد ذات هذه البركة في نفسه، وإنما هي صفة يتصف بها، لكنه قد يسعى في استجلابها باتخاذ أسبابها، وتطلب طرقها.
يقول الإمام ابن القيم: "وأما البركة فكذلك نوعان أيضًا؛ أحدهما: بركة هي فعله ﵎، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة (على) تاره، وبأداة (في) تارة، والمفعول منها مُبارَك، وهو ما جعل كذلك فكان مُبارَكًا بجعله تعالى، والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له - ﷿ - فهو سبحانه المُبَارِك عبده ورسوله، كما حكى الله عن المسيح - ﵇ - قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه فهو المُبَارَك، وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] " (^١).
وهذان المعنيان المتعلقان بالرب ﵎، من كون البركة هي صفته الذاتية والفعلية هما اللذان يذكرهما أهل العلم عند تفسير معنى (تبارك)، وأنه على وزن تفاعل من البركة، أي: بركته متعلقة بذاته وأسمائه وصفاته. ومنهم من يفسرها بأنه كثرت خيراته وتزايدت من قِبَلِهِ تعالى وتقدس.
فالأول يتعلق بذاته وأسمائه وصفاته، والثاني يتعلق بفعله ﵎.
فتبارك تفاعل من البركة، وهي الزيادة والنماء والكثرة والاتساع؛ أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، ويقال: تبارك: تعاظم، ويقال: تقدس، والقدس الطهارة (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).
(٢) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، لشهاب الدين المصري (ص ٢٥).
[ ١ / ٢٤١ ]
قال الإمام الحبر عبد الله بن عباس -﵄-: "تبارك: تفاعل من البركة" (^١).
وهو قول الإمام الطبري (^٢).
وقال أبو حيان الأندلسي: "قال ابن عباس: لم يزل ولا يزول، وقال الخليل: تمجد، وقال الضحاك: تعظّم، وحكى الأصمعي (^٣): (تباركت عليكم)؛ أيْ: (تعاليت وارتفعت)، ففي هذه الأقوال يكون صفة ذات.
وقال ابن عباس أيضًا: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قِبَلِهِ، فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل" (^٤).
وقد بيَّن الإمام السمعاني معنى (تبارك) وما قيل فيها فقال: "تبارك: تفاعل من البركة، وقيل: تبارك: أي جلّ بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن: (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهي الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال: فلان مبارك؛ أي: ينزل الخير حيث ينزل" (^٥).
وقال الرازي عند تفسير قوله (تبارك): "وفيه معنيان أحدهما: تَزَايَدَ
_________________
(١) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٩٨)، والدر المنثور (٦/ ٢٣٥).
(٢) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩).
(٣) الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس الأصمعي البصري، اللغوي الأخباري، أحد الأعلام، ولد سنة ١٢٥ هـ، ومات سنة ٢١٠ هـ، إمام في النحو واللغة والأشعار والأخبار والملح، كان متحرزًا في التفسير. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، والبلغة (ص ١٣٦)].
(٤) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٦/ ٤٤٠).
(٥) تفسير القرآن للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي (٤/ ٥).
[ ١ / ٢٤٢ ]
خَيْرُهُ وَتَكَاثَر، والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، ولما كان ﷾ هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح، والمبقى لها، وجب وصفه سبحانه بأنه (﵎) " (^١).
وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: "فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قِبَلِهِ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قِبَلِهِ البركات والخيرات، وَيَدُرُّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قِبَلِهِ بركة، ولا خير، ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله، لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم" (^٢).
وقال أبو السعود (^٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]: "البركة: النماء والزيادة حسية كانت أو معنوية، وكثرة الخير ودوامه أيضًا، ونسبتها إلى الله ﷿ على المعنى الأول، وهو الأليق بالمقام، باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم، المعجز، الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحِكَم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، وعلى المعنى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته، لا سيما على الإنسان؛ من فنون الخيرات، التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية" (^٤).
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٣٩).
(٢) أضواء البيان (٦/ ٤).
(٣) أبو السعود الشيخ المفسر محمد بن محمد العمادي، ولد عام ٨٩٨ هـ، من تصانيفه التفسير المشهور بتفسير أبي السعود واسمه: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة ٩٨٢ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٢٦١)].
(٤) تفسير أبي السعود (٦/ ٢٠٠).
[ ١ / ٢٤٣ ]
فالحاصل: أن العلماء أشاروا إلى معنيين للبركة المضافة إلى الله ﵎ التي هي صفته الذاتية والفعلية، والإمام ابن القيم ﵀ يرى أن لفظة (تبارك) تتضمن المعنيين كليهما، وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولكنه يرى أن تفسير لفظة (تبارك) بالصفة الذاتية أقرب للمعنى من تفسيرها بالصفة الفعلية حسب قواعد اللغة.
يقول ﵀: "وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان" لكن الأليق باللفظة -أي: لفظة (تبارك) - معنى الوصف لا الفعل، فإنَّه فعل لازم مثل: تَعَالَى وَتَقَدَّس وَتَعَاظَمَ؛ ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليًا، ولا قدوسًا، ولا عظيمًا، هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه، فهو المتعالي المتقدس.
فكذلك (تبارك) لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى، هذا لازم وهذا متعدّ، فعلمت أن من فسر (تبارك) بمعنى: ألقى البركة، وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه متباركًا، (فتبارك): من باب مَجُدَ، والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل، و(بارك) من باب: أعطى وأنعم، ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس فسّر من فسّر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين، فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها من قبله، وهذا فرع على تبارك في نفسه" (^١).
فخلاصة معنى القاعدة: أن البركة صفة ذاتية وفعلية لله ﵎، وهي كلها لله ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، كما أن المخلوق يتصف بالبركة، وهي من آثار صفة الله تعالى الذاتية والفعلية،
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١ - ٤١٢) بتصرف.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولا شك أن بركة الله تعالى بركة تليق بذاته الكريمة، وقد تضمنت جميع الكمالات على الإطلاق، بخلاف بركة المخلوق فهي مخلوقة بجعل الله له (مُبَارَكًا)، وهي تناسب ضعفه ونقصه.
وما دام أن أصل البركة من الله تعالى، وليس باستطاعة بشر أن يكون واهبًا لشيء منها، وإنما جميع البشر هم موضع تنزل البركة من معطيها وواهبها ﷾، وعليه فالواجب أن لا ترجى هذه البركة إلا منه ﷾، وأن لا تلتمس إلا بما شرع الله ﷿، فلا تطلب إلا ممن ثبتت بركته عن الشارع على وفق الكيفية الواردة في الشرع، وتوفر الشروط، وسيأتي بيان ذلك قريبًا، والله أعلم.